الموسيقى لغةً.. الموسيقى صوتاً موسيقى الجماد والنبات والحيوان والمياه والبشر

باسم عبد الحميد حمودي

كل ما في الكون موسيقى،موسيقى صادحة منغمة تعطي للعاطفة سببا للترحيب والانسجام والفرح،أو التأمل والهدوء والضجيج الداخلي مع النفس.
الموسيقى عالم متكامل في هذه الدنيا،فالكل يموسق، وأن قال :(لا)، أو وأن لم يشعر بأنه يفعل هذا لسبب من علة أو ضعف رهافة إحساس.
ليس البشر وحده يموسق ويترنم’فللجماد موسيقى خاصة به ….ألا ترى الطابوق المجرد المصفوف طابوقة فوق اخرى بسبب من بناء أو من دونه يترنم بهدوء خلال مرور الهواء عليه؟ ثم أن جزيئات الجماد المتلاصقة تحتشد وتتدافع بصمت وتصنع موسيقاها الداخلية التي لانسمعها مثلما نسمع حفيف الهواء وهو يصطدم بالأرض اليابسة أو بصخورها وأحجارها.
تصحب عوامل التعرية الدائمة في الارض للجبال والكهوف ومساند الخلجان الصخرية اصوات المياه التي تصطدم بها (على وفق سرعتها) أو اصوات الرياح حيث تتشكل موسيقى الطبيعة الدائمة في تلك المناطق.
لا أحد يقول لي أن الاشجار لاتغني أو تموسق ولكنها تفعل ذلك على مزاجها الخاص ولحظة التحرك مع الرياح او الاغتسال بمياه النهر او الجدول أو مياه المطر.

موسيقى شرسة..موسيقى مكتضة
الموسيقى حية في كل الافياء والأنواع من جماد ونبات،ودع عنك موسيقى الحيوان،فليست كل الحيوانات مفترسة ومنها بل كثير منها صادح ومغرد،ولكن هل للأسود والنمور والحيوانات المفترسة الأخرى موسيقى؟ نعم لها موسيقاها الناجمة عن الزمجرة وسماع اصوات الصغار وهي تتحرك وتعارك اثناء اللعب ،ولها موسيقاها (الملتهبة ) التي تصعد من فرز الادرنالين لديها عندما تستعد للهجوم على ضحاياها، وعندما تركض للانقضاض..لكنها موسيقى شرسة ،قاسية،لا طعم للمحبة والود فيها،ولا يحترمها من يتداخل معها أو يتعايش ،هي موسيقى شخصية مزعجة لا تأتلف وما نريد،أو يريد الصادح من الطيور والصائح المردد للحن الحب من المخلوقات الأخرى.
اليست الموسيقى-حضاريا- بنت العاطفة السامية وحركة الاحاسيس المرهفة المكتضة بالامل والالم والتوق وتضاد العواطف وبعثرتها تارة وانسجامها أخرى؟

الموسيقى تاريخا
ارتبطت الموسيقى لدينا بالانسان الذي احسن تطويرها،لكن تاريخ الموسيقى لدى ماكس فيبر وبرناردشامبينيول يقول أن الموسيقى البشرية بدأت منذ أول تصفيق قام به الانسان البدائي خوفا أو مرحا،وأن توالي الأيقاع بالتصفيق أنتج لحنا بدائيا مارس الانسان به حرية الاضافة الموسيقية.
يقول شامينيول في كتابه (تاريخ الموسيقى) أن في الموسيقى عنصران هما الصوت والميزان،والميزان هو تجزئة اللحن (الميلودي) وتركيبه ليكون لحنا مميزا عن سواه، ونقول أن (الصراخ) المتكرر الموقع للبشر الاوائل كان يشكل غناء فطريا لطرد الارواح الشريرة أو لأستجلاب المطر ،فأذا كان أكثر حنانا ودماثة كان لحنا موجها للانثى.

صناعة الموسيقى
يقول ابن خلدون في مقدمته في الفصل 32 أن صناعة الغناء تتضمن تلحين الاشعار الموزونة بتقطيع الاصوات على نسب منتظمة معروفة يوقع كل صوت منها توقيعا، ويقول أيضا: أن الحسن في المسموع ان تكون الأصوات منسجمة لا متنافرة

صناعة كمالية أم علم؟
لكن ابن خلدون وهو يدرس الحضارة وتطورها يرى أن صناعة الغناء آخر ما يحصل في العمران من الصنائع لانها كمالية وفي غير وظيفة من الوظائف الا وظيفة الفراغ والفرح.
ويقول الرئيس ابن سينا في كتابه (الشفاء) أن الموسيقى علم رياضي يبحث في أحوال الانغام من حيث تأتلف وتتنافر وأحوال الازمنة بينهما .

الموسوفولوجي
الموسوفولوجي هي مراكز البحث الحديثة في الموسيقى وتاريخها وتطورها،وهي اليوم تتابع كل ما أنجزه العقل الانساني موسيقيا سواء على اساس موطن مركز البحث أو عبر التاريخ .
تشيد الدراسات الاولى لعلم الموسيقى وتاريخها بنظرية فيثاغورس الموسيقية التي اعتبرت مفتاح البحث في علوم الموسيقى.
قال فيثاغورس(560-480 ق.م) انه عندما تكون نسب أطوال الأوتار أعدادا كاملة أي غير كسرية فأن اهتزازات أوتار الآلات الموسيقية تصدر أنغاما متآلفة،ودعم نظريته بالبراهين التي أضاف اليها (أرسطو).
ويقول بعض علماء التاريخ الرياضي والموسيقي أن نظرية ارتباط الاعداد بالموسيقى هي نظرية بابلية اساسا ،وقدزار فيثاغورس بابل واتصل بعلمائها وعاد الى مدينته الاغريقية كريتون ليكتب نظريته هذه.

من الالكترون الى الصوت المنفرد
واذا كان التطور الذي صاحب الموسيقى الحديثة قد جاوز الموسيقى الكونكريتية الى الموسيقى الالكترونية التي تصنع الآلة فيها موسيقاها فأن الصوت المنفرد ،الصوت اللحني المتألق الذي يصنعه الملحن المبدع منفردا يظل حاملا لنكهة البرهان الحي على قدرة العقل البشري على تجاوز الذات والآلة الصانعة معا .
صباحكم موسيقى.