قصة : ماجد الحيدر
في ذكرى ث ع ع
– «كنت رضيعاً يومها، لم أكد أكمل عامي الأول. العجيب أنَّني أتذكر كل شيء بوضوح، أو ربما أتوهم هذا لكثرة ما رددته عليَ أمي: نوبة من البكاء الحاد انتابتني. لم تكن مثل تلك النوبات التي تنتاب الأطفال لوجع في الآذان أو مغص أو حكّة أو جوع وتستمر ساعة أو ساعتين أو ربما ليلة واحدة في أسوأ الأحوال.. كلا.. تلك نوبة دامت أياماً بلياليها، أسبوعاً كما تقول أمي. كنت أبكي وأبكي دون انقطاع، دون سبب ظاهر. حملتني أمي إلى المستوصف الحكومي فكتب لها الطبيب شراباً مهدئاً دون أن يلقي عليّ نظرة وقال لها: ما به شيء!
اشترت أمي من باب المستشفى قنينة فارغة بخمسة فلوس وغسلتها من حنفية الماء الجاري تحت شجرة الكالبتوس العملاقة (أو هكذا بدت لي) وملأها لها موظف الصيدلية بذلك السائل الأخضر ذي الرائحة النفاذة الذي يصفونه لكل طفل مريض.
لم ينفع الدواء، نصحتها جارتنا العجوز بأن تأخذني إلى الملا قاسم، وهكذا فعلت. حملني الشيخ ذو الوجه الأحمر الحليق بين يديه وهمس بشيء في أذني وأعادني إلى أمي وقال لها: هاكِ، خذي طفلك. ابنك هذا لن يبكي بعد اليوم!
وهكذا كان..
مات أبي فجأة. وقع من أعلى برج الكهرباء الذي كانوا ينصبونه فاندقت عنقه وفارق الحياة في الحال. غسلته وكفنته ودفنته وجلست أتلقى العزاء ثلاثة أيام كما يفعل الرجال البالغون (كنت في الرابعة عشرة) وانتظرت أن أنفجر بالبكاء، لكنّني لم أفعل!
صديقي في الحرب، رفيق ملجئي وقناني الخمر السرية وأغنيات الجنوب مات أمام عيني. قتلته شظية بحجم الكف فصلت رأسه عن رقبته بينما كان يضحك. حملناه إلى المواقع الخلفية ثم وضعناه في تابوت لففناه بالعلم وكلفوني بتسليمه إلى أهله. رأيت أمه وأخواته وزوجته الصغيرة وهن يمزقن ثيابهن ويلطمن على الرؤوس، وراقبت أباه وهو يلقي نفسه على التابوت وينشج نشيجاً مرّاً وجلست في عزائه تطاردني صورته وأغنياته وضحكاته حتى كاد رأسي ينفلق.. لكنني لم أذرف دمعة واحدة!
تلك الكلمات التي همس بها الشيخ في أذني غدت لعنة لا تفارقني. آهٍ كم حسدتُ الباكين!
نصحني أحد الأقرباء أن أستمع لمقتل الحسين فلم تهمِ دموعي كالآخرين، وأشار عليَ أحد رفاقي بأن أضاعف ما أشرب عسى أن تنفك عقدتي فباءت المحاولة بالفشل، وجربت أن أكتب أسماء الموتى والقتلى والمفقودين والحبيبات الغادرات وأردّد أسماءهم بصوت عالٍ عسى أن تتبلل مأقي ولو بضباب خفيف.. لا .. لا جدوى!…»
وسكت صاحبي طويلا، ثم احتسى رشفة صغيرة ثم قال وهو يتجنّب النظر في وجهي:
– « أتدري.. لقد أخبرني الأطباء بأنني مصاب بالسرطان، سرطان من النوع الشرس. أيامي معدودة يا صاحبي. أيامي معدودة يا ابن الكلب! لماذا تركتموني هكذا، ذليلا وحيدا مثل بعير أجرب؟ لماذا لا ترفعون هواتفكم وتسألون عني؟»
ورأيت شيئاً يتلألأ في عينيه، ثم انهمر الدمع مدراراً.. صامتاً.. طليقاً..
وظل يبكي لساعات وساعات. لكنَّه كان سعيدا، سعيدا حد الجنون.. وكانت تلك آخر صورة له في ذاكرتي.
30-1-2019