ضياف البراق
ها هو البؤس الشبحي يعود بقوة كاملة إلى عالمي المجنون، يذهب لوقتٍ قصير ثم يعود بشكلٍ أشد غرابة؛ ليقتلَ سيرورتي، ربما، وربما ليخنقَ الأحلامَ التي تصير في دماغي، الآن. ها هو اللامرئي ينخر كلَّ شيء، يحاصرني هنا، يحاصرني هناك، ويصبُّ في دمي الحزين كُلَّ الحرائق القديمة. يا لحظي السعيد! يا لمجدي الشاهق كالأمل الغبي!
أجل! الموتُ جميلٌ، وحقيقيّ، في هذه اللحظات الثقيلة. أنا لا أموت، أيها الموت. أنا شاعر!
الموت، أن نعيشَ كالكراسي أو الهوامش. الموت، أيضًا، أن نسير دومًا في ذات الاتجاه، أن نتعاطى مع النصوص أو التفاصيل من زاوية واحدة أو بعدسة مكسورة. لكن، في أزمنة معينة، علينا أن نموت بإرادة تامة، علينا أن نموت لنبدأ حياة متنوعة جديدة.
هنا، حقًا، ليس ثمة مكان يخلو من الفوضى أو التكرار، فكل الأمكنة ترعبك، أو تخنقك، أو تصيبك بالملل. مُمِلّة هي الأشياء العاديّة، وكذلك الكلمات التي بلا روح. ما زالت الحرية عارية، ما زالت الأبواب مغلقة كما هي، وما زالت هذه الطرقات تؤدي إلى اللا مكان. زمنٌ بلا أنبياء! ويقول آخر: زمنٌ بلا معنى. ثم بعد ابتسامة عميقة يتابع: لكن، بوسعنا أن نكون «نحن» الأنبياء، وأن نخلق المعنى على النحو الذي نحب. بوسعنا، إن شئنا، الخلاص مما هو غير لائق بحياتنا وكرامتنا..
رحم الله جدتي، فقد كانت تقول لي، باهتمام: لا تدعْ شيئًا يقتلك غير الحب. لا شيء أقدس من الحب! وفي مرة من المرات، بداية يفاعتي طبعًا، رأتني يائسًا كما لو كنتُ حينها أنتظر الموتَ يأخذني، فاقتربتْ منّي بكل حيوية، وأخذت تبتسم نحوي بأسلوب فلسفي ناضج، قائلةً بذوق: أيها الثائر الجميل، الثائر لا ينحني أبدًا، إنه لا ييأس مهما كانت الظروف قاسية أمامه، لأنه يؤمن بأن الحياة جملة من الخيارات المختلفة، كذلك لأنه يؤمن بنفسه إلى حد يجعله في مواجهة كل شيء دون كلل أو ملل. الثائر هو المبدع، الذي يحلم دائمًا، الذي لا يتوقف عن العطاء وفِعْل الكفاح، وهكذا هو يثبت حبه للحياة، بل يخلقها باستمرار». إنني كلما رحتُ أتذكّر، خاصة خلال هذه الأيام الصعبة كل الصعوبة، حياةَ جدتي الكفاحية، وحكمتها الفريدة في تعاملها مع مشكلات الحياة، أبتسِمُ فورًا حتى لو كان الحزن يغمرني، وأشعر بالقوة. لقد كانت امرأة متصوفة، ممتلئة بالتفاؤل، تختار لنفسها دروبَ الكفاح وتتطلع دومًا نحو حياة أفضل. إذَن، أنت، أيها الإنسان، لا تموت طالما أنك تحب، تبدع، وتكافح. يموت، فقط، ذلك الفارغ أو الأناني، الذي يكره الحياة أو الناس، يموت مَن لا يبدع ولا يكافح. والحب إبداع، طبعًا، كما يقول أحد المفكرين. وأنا أكرر بحماس: يجب أن نبدع دائمًا، أن نكافح، فليس من حياة دون إبداع أو كفاح.
رغم كل شيء، أخيرًا، بل رغم قسوة العيش في بلادي المسحوقة بفعل الحروب الغبيّة، هذه الحروب التي لا يصيبها اليأس، ولا تنتهي، إلا أنني لن أصرخَ مستسلمًا كما صرخ (رامبو) ذات وجع: «يا لضعفي! ويا لقسوة هذا العالم!». أتساءل هنا: ترى، لماذا توقف رامبو عن الكتابة كليةً قبل أن يبلغ الحادية والعشرين من عمره؟ ليته لم يتوقف! كم كانت أشعاره عميقة وساخنة! إن من يقرأ هذا الشاعر العظيم، سوف يدرك الكثير، الكثير..
أتساءل أيضًا: لماذا الإنسان، عندنا على الأخص، لا يحب الخير لأخيه الإنسان؟ ألا يريد أن يحب، مثلًا؟ كذلك، لماذا يخشى الحرية؟ لماذا، ولماذا، ولماذا…
على كل حال، نستطيع أن نكون إن أردنا. فليس هناك أجمل من الحياة إلّا الحياة نفسها. الحياة، هي الإبداع، الحلم، الكفاح. بمعنى آخر: إنها الحرية بمعناها الحقيقي. باختصار، لنكن مبدعين من أجل الحياة. يجب أن نفرح، فنحن نستحق ذلك. هناك، دائمًا، ثمة انتصار، ثمة مستقبل لائق، ثمة حياة مشرقة، ولكن لمن يريد، فقط. الحياة لمن أراد.