تاجر القهوة والجلود الرحيل إلى عدن وأفريقيا

اعداد وترجمة: محمد القاسمي

سيركب رامبو السفينة مرّة أخرى ويعبر باب المندب للمرة الثانية، ليصل عدن في النصف الأول من شهر أغسطس من عام 1880. اتصل مباشرة بشركة ألفريد بارديه، وهو تاجر جملة فرنسي مقيم في اليمن، وهو الذي سيصبح أهم شاهد عن «السكوت العربي لرامبو» حسب عبارة كوكتو Cocteau، وإن لم يسكت الشاعر أبدا. كانت عدن في تلكم الفترة ميناء حديثا ومزدهرا، محتلا من قبل الانجليز وكان يقطنها نحو ثلاثين ألف نسمة. لقد كانت مدينة كوسموبوليتية (منفتحة على العالم)، يسكنها العرب والصوماليون والهنود والأوروبيون وكانت مركزا مهما لتجارة القهوة وأرز الهند وذهب أفريقيا واللؤلؤ وجلود البقر والماعز والأغنام.
بعد فترة تجريبية لم تدم أكثر من بضعة أيام، تم تعيين رامبو في 15 أغسطس. وحين سأله «بارديه»، رئيسه في العمل عن مكان ميلاده، أجاب بأنه من مواليد مدينة «دول» Dôle وهي مسقط رأس والده !.
كانت الشركة التجارية الفرنسية التي وظفت الشاعر، تشتري القهوة من مدينة «المخا» بواسطة سمسارين. وكان يتمثل عمل رامبو في مراقبة عملية فرز القهوة التـي كان يتم وزنها وتغليفها ثم نقلها من قبل حمالين إلى السفن لترسل من ميناء عدن إلى مرسيليا. وكان يشرف على عاملات معظمهن من الهند، كن يجلسن القرفصاء لساعات يتصيدن حبّات القهوة البيض غيـر الناضجة، ويقمن بإبعادها. وكان يساعده «مقدم» يمني وكان للشاعر معرفة بأساسيات العربية مما مكّنه من التواصل معهن.
سرعان ما كتب لأسرته، كان ذلك في 25 أغسطس: «أنا هنا في مكتب تاجر قهوة…. أعمالنا تعرف نجاحا مقبولا وستعرف ازدهارا أكبر بكثير….. إن بقيت هنا فسأعيّن في منصب ثقة، ربما لأدير وكالة في مدينة أخرى ….»، بينما يظل الشاعر متحفّظا عند حديثه عن عدن وضواحيها : «عدن عبارة عن صخرة بشعة لا تنبت فيها قشة وليس فيها قطرة ماء سائغ، فنحن نشرب ماء البحر المقطّر. الحرارة هنا مفرطة لاسيما في يونيو وسبتمبر موعد القيظ. حرارة مكتب بارد وبتهوية جيدة، ثابتة ليل نهار وهي 35 درجة. كل شيء هنا باهظ الثمن الخ».
بعدها بشهر، ولأنّه لم يكن راضيا عن وضعه فقد فكر في البحث عن عمل في مكان آخر : «أنا الموظف الوحيد هنا وكلّ شيء يمرّ عليّ، أصبحت الآن أعرف كلّ ما يتعلق بتجارة القهوة، كما حزت على ثقة صاحب العمل المطلقة، إلّا أنّ مرتبي ضعيف إذ لا أتقاضى سوى خمسة فرنكات في اليوم، مع المسكن والمأكل والملبس الخ، علاوة على الحصان والعربة، وهو ما يعادل تقريبا 12 فرنكا يوميا، ولكن بما أنّني الموظف الوحيد تقريبا في عدن، فإن لم يدفع لي 200 فرنك شهريا، من هنا لنهاية شهري الثاني هنا أي في 16 أكتوبر خارج كلّ النفقات، فسأغادر لأنّني أفضل الذهاب على أن أستغل». (رسالة إلى أسرته في 22 سبتمبر 1880).
يجدر التوضيح بأنّ متوسط الأجور في فرنسا في ذلكم الزمان، كان 3 فرنكات. أسالت عبارة “الصخرة البشعة” الكثير من الحبر وكان رأي جميع شارحيه، بابن شارلفيل كان يمقت عدن ولكنّهم ينسون بأنّه لم يرض عن أي مكان، ألم يقل عن باريس: «باريس مدينة النور ؟ يا لها من مزحة بائسة، كوم من الطمع والبذاءة، زحام من الحمقى المحتشدين، هي المكان الأقل ارتباطا بالفكر في العالم» كما قال عنها «ما باريس إلّا معدة». أما عن لندن فقد قال : «تسبّبت لي لندن بإحساس بالاختناق المادي والمعنوي. ضوء كسوف ورائحة مسك وفحم في الشوارع، وجوه انجليز بلا تعابير، حركة كبرى بلا صوت» دون الحديث عن مقته لـ «شارلستون الفظيعة» وهو يعني بها شارلفيل مسقط رأسه.

الإقامة في مدينة

هرر Harar

الأوروبي الوحيد في هذه المدينة الصوفيّة

بعدها بشهور، اقترح «الفريد بارديه» على رامبو وظيفة مساعد لدى وكيل الشركة الذي كان قد عيّنه للتوّ في مدينة «هرر»، وهي منطقة في إثيوبيا (الحبشة). فوقع الشاعر عقدا مدّته ثلاث سنوات (1880-1883). عبر رامبو خليج عدن على متن مركب شراعي وكان برفقته «قسطنطين ريجاس» الموظف اليوناني في شركة بارديه. عند وصولهما إلى الأراضي الأفريقية قاما بتشكيل قافلة لنقل السلع إلى هرر. كان عليهما أن يقطعا ثلاث مئة وخمسين كيلومترا، ويعبرا أراضي تحت سيطرة قبيلة «عيسى»التي اشتهرت بالشراسة وكثرة الحروب- ليدخلا بعدها أراضي قبيلة «غالا» الآمنة، سيدخلان من أبواب مدينة هرر المحصنة في ديسمبر «بعد عشرين يوما من السير على ظهور الخيل عبر صحراء بلاد الصومال».
كانت هرر قديما عاصمة إمارة مستقلة لعبت دورا مهما في نشر الإسلام في إثيوبيا، وقد كانت وهي التي لطالما اعتبرت رابع المدن المقدسة في الإسلام، كانت مركزا روحيا وقاعدة ينطلق منها الدعاة لأسلمة أفريقيا وكان يمنع دخولها لغير المسلمين لفترة طويلة.
في عام 1880 كان تعداد سكان هرر 30 ألف نسمة وكانت تحيط بها أسوار منيعة وكانت تغلق أبوابها الخمسة عند مغيب الشمس فلا يسمح لأحد بالدخول ولا بالخروج.
أول أوروبي دخل هرر هو الانجليزي ريشارد ف. فبورتون Richard F. Burton. وهو ديبلوماسي وعسكري يتقن اللغة العربية، وهو أول مترجم لألف ليلة وليلة، كان يقدّم نفسه على أنّه صوفي بعد أن زار المدينة ومكة وقدّم وصفا مفصّلا للكعبة. ثم انطلق من عدن عام 1854. وهي سنة مولد رامبو، في رحلة إلى هرر. كانت العاصمة الإسلامية بالصومال موعودة بالتدهور إذا دخلها غير المسلم. أقام بورتون 10 أيام في هرر تقريبا في الأسر وكان مراقبا طوال الوقت، ثم تمكّن من الفرار إلى عدن. كتب رحلة فصل فيها عمارة المدينة وتجارتها وسكّانها ولغاتهم، وقدّم في هذه الرحلة مدينة هرر على أنّها مدينة دينيّة محرّمة.
أرسل خديوي مصر قوة استطلاع عسكرية سنة 1875، فغزت المدينة بدون أدنى مقاومة وعندما وصلها رامبو وجد أربعة آلاف جندي مصري يحتلونها. سيقيم رامبو في المنزل القديم لحاكم المدينة رؤوف باشا. كان البيت المتكوّن من دورين يشرف على الميدان الرئيس في مدينة هرر وكان محاذيا للمسجد الجامع. فأصبحت حياة الشاعر الذي كان يصرح بإلحاده، تسير لسنوات على إيقاع الصلوات الخمس.
كانت وكالة بارديه التجارية تشتري العاج والجلود وخاصة القهوة. المناخ في هذه المنطقة الخصبة ملائم لزراعة هذه الشجيرة. وكان مزارعو المنطقة يبيعون محاصيلهم للوكالة الفرنسيّة، وكان الجيش المصري يأخذ عمولات معتبرة مما أثار حفيظة رامبو الذي سيصف المصريين بمجموعة «كلاب ولصوص» (رسالة إلى أسرته في 15 فبراير 1881).
كان سكان هرر يتحدثون لغة مشتقة من العربية وهي «التجرية›› والأمهريّة إلّا أنّ العربية كانت لغة التجارة، وهذا لن يمنع رامبو من تعلّم الهراري والأورومو. كان يتمثّل عمل رامبو في مسك دفاتر الحسابات ومراقبة أوزان المخزون من القهوة وتسليم الأجور إلى الوسطاء من قبيلة «غالا».
أصبح رامبو خلال إقامته التي دامت خمس سنوات في هرر، تاجرا مكتمل النضج ومحترما ومقدرا، أبعد ما يكون عن الاستسلام أو الإذعان. وقد قال عنه المستكشف الفرنسي جول بوريلي Jules Borelli الذي أواه رامبو في هرر، « يعرف العربية …. يتكلّم العربية والأمهرية والأورومو وهو شخص لا يكلّ ولا يتعب، يضعه استعداده لتعلّم اللغات وقوة إرادته وتحمله لكلّ أنواع المشاق، من بين الرحّالة المكتملين.

زواج رامبو في عدن

سمحت رسالتان اكتشفتا في أرشيف ألفريد بارديه أثناء التحضير لطبعة جديدة لكتاب «بر العجم» سنة 2010، باستكمال صورة رامبو، رجل الأعمال الذي اهتم سنة 1883 باستغلال المطاط في «هرر» وتجارة الحلي المحلية – وهي سنة، تميزت بعلاقته بمريم، وهي شابة من أصول حبشية، في العقد الثاني من العمر، تعرف إليها في عدن. كانت مريم تنتمي إلى «الأورمو» من مقاطعة «شوا» في مملكة إثيوبيا.
دامت علاقتهما من 1882 إلى 1886، أي أربع سنوات، وقد تم عمدا التقليل من شأن هذه العلاقة التي تأكدت بفضل خمس شهادات موثوق بها، بل تم تجاهلها من قبل معظم الذين اعتنوا بالكتابة عن حياة الشاعر وسيرته.
أول من أكد هذه العلاقة هو ألفريد بارديه، رئيسه في العمل، والذي كتب إلى باتيرن بيريشون Paterne Berrichon، صهر الشاعر بتاريخ 1 يونيو 1897 قائلا : «كانت لرامبو علاقات نسائية في هرر وكانت له علاقة طويلة مع حبشية…. العلاقة كانت خاصة وحميمية، وقد أجر رامبو الذي كان مقيما في بيتنا، منزلا خاصا للعيش فيه مع خليلته خارج أوقات العمل. إلا أنهما لم ينجبا»
هناك شاهد آخر على هذه العلاقة وهو المدعو غابرييل فيران Gabriel Ferrand والذي وظفه بارديه وهو في الثامنة عشرة من العمر ليدير فرع الشركة في «زيلا»، والذي أصبح فيما بعد قنصلا لفرنسا. سيقدم فيران إلى بول كلوديل Paul Claudel عرضا عن لقائه بالشاعر. وقد قام كلوديل بتدوين ذلك في مذكراته في سبتمبر 1912 : «أورد إلي «فيران» أخبار رامبو الذي تعرف إليه في كل من عدن و «زيلا» : «في غاية اللطف بشعر قصير وجمة على الجبهة وكان يخرج عاري الرأس تحت أشعة الشمس المخيفة. كان يعيش مع حبشية تعرضت للاجهاض. يجلس القرفصاء، يداه ورجلاه كانتا مخضبتين بالحناء، كان يضحك دون صخب واضعا يده على فيه ومصدرا صوتا خفيفا».
وجاءت شهادة أخرى مطابقة لشهادة بارديه وهي تلك التي أدلت بها موظفة بيته، فرانسواز غريزارد Françoise Grisard، التي عاشت في عدن : «كنت أذهب كل يوم أحد بعد العشاء إلى بيت السيد رامبو وكان يبدو لي لطيفا مع هذه المرأة، كان يريد تعليمها….كانت في غاية الرقة، إلا إنه لم يكن لديها سوى معرفة سطحية باللغة الفرنسية، مما جعلنا عاجزتين عن تبادل الحديث. كانت طويلة القامة ورقيقة، بوجه مليح وقسمات متناسقة وببشرة ليست شديدة السواد، أنا لا أعرف الحبشة غير أنني وجدتها تشبه الأوروبيات تماما. لم تكن تغادر البيت إلا مساءً برفقة السيد رامبو، وكانت ترتدي الزي الأوروبي إلا أن منزلهما في الداخل كان مؤثثا على الطريقة العربية.»

وفي الأخير وفق التاجر الإيطالي أوتورينا روسا Ottorina Rosa الذي ندين له بصورة مريم والذي كان يلتقي الشاعر يوميا أثناء إقامته في هرر فإن « رامبو كان يجرب أثر «القات» عليه، وكان هزيلا للغاية» بسبب تعاطيه لهذه النبتة المنشطة النفسية والمؤدية إلى الانتشاء والتي كان يسميها زهاد هرر «أوراق الله»1
يمكن من خلال هذه العلاقة الثابتة أن نرى بأن رامبو لم يقتصر على استيعاب لغات أجنبية بل تعدى ذلك إلى العادات. فارتداء الطاقية الإسلامية واتخاذ الكنية والختم العربيين وتعاطي القات في هرر وعدن، واتخاذ «سوداء» خليلة وصاحبة، كل هذا دليل على أن رامبو لم يكن يعبأ بالقيل والقال الدائر وسط المجتمع الأوروبي «المهذب والصالح».
فحسب عدم اهتمامه بهندامه ورفضه وضع الخوذة الكولونيالية التي كانت سائدة في ذلك الزمان، يبدو جليا بأنه كان يسعى إلى البقاء بعيدا عن المجتمع الأوروبي الذي يبدو وكأن الشاعر يشير إليه باستمرار باشارات بذيئة.

« Rimbaud et le Kat ».1(رامبو والقات) لجان ميشيل لي كورنو
المصدر : جان ميشيل ,لي كورنو، l’abyssinienne de Rimbaud. (حبشية رامبو)