حكايات غجرإسبانيا

جمعها ودونها: خابيّر آسينسيو

ترجمها عن الإسبانية: د. عبدالهادي سعدون

هذه الحكايات الشعبية لغجر إسبانيا جمعها وحررها المهتم بالفلكلور الغجري الإسباني الباحث خابيّر آسينسيوJavier Asensio ، ونشر أجزاءً منها في عدة مجلات وأجزاء كتب ضمن أنطولوجيات مختلفة. وعاد ليجمعها كلها في كتاب كامل هو كتاب (حكايات غجر إسبانيا الشعبية) المنشور ضمن منشورات دار سرويلا عام 2011. ويعد الباحث الفلكلوري آسينسيو من أكثر المهتمين وأهمهم في التركيز على الاهتمام وجمع تراث غجر إسبانيا في كل مناطق البلاد لا سيما تلك المناطق المحاذية لإقليم آراغون. يقول الباحث في مقدمة كتابه أن اغلب الحكايات الشعبية التي جمعها والتي نقدمها مترجمة للقارئ العربي هنا سمعها في مناسبات متتالية من شخصيات غجرية من رجال ونساء على مدى سنين طوال. ولكن هذه العينة التي نترجمها هنا والمتمثلة بـ 7 حكايات شعبية، كانت مناسبة قد جمعته برجل غجري هو: فابيان آمادور خمينث (70 عاماً)، من قرية ألو (نابارا)، من أصول تنتمي إلى مدينة سرقسطة ولاغرانديا (لريدا).

كهف سبائك الذهب

هذا ما جرى لجدي باكو. ذات يوم كان يتنزه وحيدا في الحقل، وعثر على كهف ودخل فيه. وهناك رأى حزماً كثيرة تلمع، ولم يكن يعرف ما هي، وأخذ واحدة منها بدافع الفضول.
عندما عاد إلى المدينة ذهب إلى دكان ليشتري طعاماً ولم يكن يملك مالاًـ وذلك كان عادياً لدى غجر تلك الأيام ـ فقال له صاحب الدكان إن لم يكن يستطيع أن يدفع مالاً فليبحث عن طريقة ما بالمقابل. تذكر جدي حينئذ الحزمة اللامعة وأخرجها من جرابه وقال له:
ـ بهذه اللامعة والجميلة، هل أستطيع أن أدفع لك؟
أخذها صاحب الدكان بين يديه وتأملها جيداً ـ وقد عرف أنها سبيكة ذهبية ـ فقال له:
ـ طبعاً يمكنك أن تشتري بها. أين وجدتها؟
ـ في كهف هناك أعرف مكانه، وداخله يوجد العديد مثلها.
ـ إذا ما جئتني بالمزيد منها سأبيعك الكثير من الطعام، كل ما تحتاجه لوقت طويل، إضافة إلى أنني سأدفع لك نقوداً، الكثير منه.
فما كان من جدي إلا أن عاد إلى الكهف، ودخل إلى أعماقه من جديد، وهناك في مكان الحزم الذهبية لم يعثر على شيء، كانت قد اختفت كلها.
شعر بالندم لأنه لم يأخذها معه كلها عندما أتيحت له الفرصة. ولم يفكر أن شخصا آخر قد أخذها، بل كان يعتقد أن الأمر كله كان من فعل السحر.

الخبز الحامي

هذا ما جرى لغجري كان قد ربح بشكل مجزي في أحد الأسواق. كان قد باع دابتين لرجلين من غير الغجر. ما أن وصل بيته حتى بدأ يعاود التفكير فيما لو أن الرجلين سيندمان على الشراء ويعودان للبحث عنه من أجل إلغاء البيع. لهذا قال لزوجته:
ـ سأخرج من البيت، إذ أخشى أن يعود الرجلان بما اشترياه مني.
فخرج ليلاً وراح يسير ويسير حتى وصل إلى نُزل معتم. ولم يكن خائفاً:
ـ لا أخشى حتى من شهب الفجر.
وجهز موقد نار من حطب وقش ليتدفأ. وراح يتناول عشاءه مما حمل من طعام من البيت. فكان أن سمع همهمات أصوات لم يفهم منها شيئاً ففكر: «لابد أنهما الرجلان».
أطفأ النار سريعاً بصرة من قماش. لكنه استمر في سماع الهمهمات وفكر بأن الرجلين قد اقتربا منه. وبدلاً من أن يخرج من البوابة، صعد الدرج وأطل من النافذة ليقفز ويسقط فوق الحصان. في الماضي كان كل الغجر تقريباً يحملون جراباً من القماش، وكان قد زاد عنده قطعة خبز ولأن الخبز مقدس فقد حمله معه في الجراب. صرخ في الحصان وخرجا إلى الطريق، لكن ما أن مر القليل من الوقت حتى رأى أن الحصان مقيد في سيره ولا يستطيع الاستمرار.
«ما الذي يجري هنا» تساءل.
حينئذ نظر إلى الخلف ورأى أن جسد شخص برأس عنز متعلق بالحصان ويفتش في الجراب.
كانت هيئة شيطانية. وبما أن الخبز مقدس، فلن يستطيع أن يصيب الغجري بأي سوء ما لم ينزع الخبز من الجراب، وهذا ما كان يريده: ان يلقي بالخبز إلى الأرض. لكن الغجري تشبث بالجراب ولم يسمح له بلمس الخبز.
عندما رأى الشيطان أنه لن يستطيع شيئاً، صرخ في أذنيه صرخة مدوية. مات الغجري من هولها.

شبح الحرس المدني

يحكى إن عائلتين غجريتين كانتا تسيران في طريق وتوقفتا لقضاء الليلة جوار سور مقبرة، بدأ في إقامة بناء ـ عبارة عن كوخ من البلاستيك ـ. وبعد أن أظلمت الدنيا جاء رجلان من الحرس المدني وقال الغجر:
ـ أنظروا من هناك، اثنان من الحرس المدني، إلى أين يذهبان في هذه الساعة؟ لنتحدث إليهما ونرى إن كانا قد فقدا دابة أو شيء آخر.
وهكذا أحاط الغجر بالحرسين يسألانهما:
ـ ماذا يجري هنا! إلى أين تذهبان؟
ولكن الحارسين المدنيين ذهبا في طريقهما دون أن يجيبا.
ـ ماذا حدث لهذين الحرسين المدنيين إذ لا يجيبان ولا بكلمة؟
ـ هيا بنا إلى الكوخ وإذا أرادا شيئاً سيأتيان لسؤالنا.
ـ هيا إلى الكوخ.
عاد الغجريان إلى الكوخ وبعد مضي ساعة أو ساعة ونصف الساعة ظهرت أمامها بغلة تسير وحيدة مع رسنها وتقترب منهم شيئا فشيئا. ما أن يرياها حتى يبدأ الغجريان في النقاش:
ــ ولكن أليست هذه البغلة هي بغلة العم خوسي التي اختفت قبل أيام؟
ـ لا أعرف ـ يجيب الغجري الآخر ـ بما أنها تشبه بعضها البعض، لا أظن أنها بغلة العم خوسي.
ـ أعتقد أنها هي يا رجل، إن لم تكن هي فماذا تفعل هنا بغلة طليقة برسنها؟
ما بين (نعم) و(لا) نشب خلاف بين الغجريين، وفي الختام اتجها إلى البغلة. وما أن حاول أحد الغجريين الإمساك بالبغلة حتى اختفت. في هذه اللحظة ظهر لهما الحارسان المدنيان. فما كان منهما إلا أن خلعا بلاستيك الكوخ وتركا الأشياء الأخرى. وهرب الغجريان مسرعين إلى مركز الشرطة.
ـ أنظروا حضراتكم. لقد ظهر لنا حارسان مدنيان في منتصف الليل، ولكن حدث شيء غريب، لأنهما كانا يظهران ولا يظهران، ثم رأينا بغلة وبعدها تختفي من أمامنا، ليخرج لنا الحارسان المدنيان من جديد.
فقال لهما من كان في المركز:
ـ لستما أول من يرى ذلك. لا تقلقا فنحن على علم بذلك. هما حارسان قتلا في حادثة قبل زمن، والغجر الذين يخيمون قرب سور المقبرة يظهران لهم في الليل.
وعندما عاد الغجريان لحمل أشيائهم التي تركوها، رأوا أن الحارسين المدنيين قد عادا إلى المقبرة.

الميت يتحول إلى عنز

ذات مرة سار غجريان في حقل ولم يكن معهما ما يسد جوعهما وكان عليهما أن يسرقا، وهذا ما كان يحدث سابقاً، لهذا قال أحدهما للآخر:
ـ هيه يا صاحب، نسرق عنزاً.
ـ لا، أنا خائف، لابد أنهم سيقبضون علينا.
ـ كيف تخشى من سرقة عنز، خاصة ونحن في الليل ولا أحد يرانا! كيف تريدنا أن نظل جياعاً بسبب خوفك!
ـ حسن هيا إذن.
كان لهما بغلتان ركباهما ووصلا إلى المزرعة. وأول عنز وجداه قبضا عليه من قرنيه وحملاه. بعد ذلك وضعا العنز على ظهر البغلتين، قدما العنز الأماميتان من جهة والخلفيتان من الجهة الأخرى. وبينما كانا يسيران في طريقهما، كانت أطراف العنز تكبر، حتى وصلت اللحظة التي كانت فيها تخط في الأرض. لم ينتبه الغجريان إلى ذلك، لكن البغلة كان تسير في كل مرة ببطء أكثر.
ـ يا صاحبي، هذه البغلة لم تعد تنفع في شيء، فلا قدرة لها على حمل هذا العنز.
ـ كيف لا تستطيع؟ أضربها وسترى كيف تسير. اهمزها جيداً وسترى.
ـ وكان يضربها بشدة ولكن البغلة لم تعد تستطيع أكثر من ذلك، ومع كل خطوة أكثر كان يتذمر، حتى قال:
ـ يا صاحبي، سأتوقف فهذا شيء لا يحتمل.
يُقال إن الغجري ما أن التفت بوجهه إلى الخلف حتى رأى الأطراف متدلية على الأرض لعدة أمتار. تركوا كل شيء هناك، البغلتين والعنز وكل شيء. وراحا يركضان حتى البيت ركضاً نتيجة الخوف الذي انتابهما. يقال إنها كانت روح رجل ميت.
في اليوم التالي، عندما عثر الحرس المدني على البغلتين، قالوا ذلك للغجريين، وهذان شكرا الحرس وقالا لهما:
ـ كل الشكر أيها السادة الحرس المدني! أجابا، هما بغلتانا وقد هربتا في الليل.

منْ قطع لك إصبعك؟

هذه الحكاية حكّوها لنا عندما كنا صغارا وكانت تثير فينا الرعب. لا بد من حكايتها بشكل جيد لأنك ستمتلئ رعباً وهلعاً، ولنتحدث بصوت خافت، حتى أنك في الختام سوف تصرخ كما لو أن أحد اللصوص هو واحد من الصبية الذين يستمعون إليك.
هذا ما حدث لشخص من غير الغجر. مات ودفنوه. انتبه البعض إلى أن الميت كان يحمل خاتماً ذهبياً في إصبعه، مضوا حتى المقبرة، أخرجوا الجثة وقطعوا الإصبع وأخذوا الخاتم.
الحال أنه وبعد مرور سنين عديدة، طرقوا بوابة بيت اللص. ذلك الذي سرق الخاتم فتح الباب ووجد أمامه عجوزا تطلب الصدقة. وكانت تقولها بصوت مؤلم جداً:
ـ صدقة حباً في الرب… وكلمات أخرى لم يفهمها الرجل لأنها كانت تتكلم بصوت خفيض.
انتبه الرجل إلى أن يدها ينقصها إصبع، فانتابه الهلع، لكن هذا لم يمنعه من سؤالها:
ـ سيدتي، ما الذي حدث لإصبعكِ؟
في هذا اللحظة عليك أن تنظر في وجه الطفل المشدود إلى الحكاية وتصرخ فيه بقوة:
ـ أنتَ منْ قطع إصبعي!
وسيسقط ميتاً من الرعب. هو وكل منْ معه.

سرقة النعاج

هذا ما جرى لوالد زوجة المرحوم توسو ليرقد في سلام. كان قد ذهب برفقة آخر لسرقة نعاج من إحدى الحظائر، فكان أن دخل أحدهما بينما بقي الآخر في الخارج. كل واحد منهما في طرف. حمل أحدهما نعجة وقال:
ـ هذه النعجة البيضاء جيدة وكبيرة.
حتى إنه لم يستطع حملها لثقلها. ألقى بها إلى الطرف الآخر ليلتقطها الآخر.
ـ اسمع يا ابن العم، ما هذا الذي ألقيت لي به؟
ـ آها، بالكاد استطعت حملها. هي نعجة جيدة.
وحدث أنها ما أن وصلت الطرف الآخر حتى تحولت نعجة عجفاء وسوداء.
ـ هذه لا أريدها، فهي سوداء وعجفاء.
وأعادها للحظيرة لتنقلب من جديد بيضاء وسمينة. وما أن أعادوها إلى الخارج حتى تحولت إلى سوداء وعجفاء.
ومن الهلع الذي انتابهما، تركا كل شيء وهربا.

ظهور صاحب

دكان التبغ

هذا ما حدث في منطقة قشتالة، ولا أعرف ما الذي ينتابني وأنا أحكيها. كانت حكاية معروفة لأنها أحدثت المزيد من الرعب. فقد كان الغجر يتجولون هنا وهناك. وذات مرة وصلوا إلى إحدى الحظائر، حينئذ كانت النسوة تذهبن إلى أقرب قرية لشراء الطعام، وطلب زوج إحداهن أن تشتري له تبغاً، لكن المرأة ما إن وصلت دكان التبغ حتى وجدت صاحبه ميتاً. وأثناء عودتها، حكت المرأة لزوجها ما حدث، وهذا بدأ بالتطاول على الميت، من بين ما قاله: «أن تذهب مسعوراً في الجبال».
في الثانية أو الثالثة صباحاً بدأت الكلاب بالنباح والعواء، هناك في وسط الجبال، في حظيرة حيث يجمعون فيها الخراف. واقتربت الكلاب من بوابة الحظيرة وبدأت النباح كما لو أنها ضربت ضرباً مبرحاً. وكانت تختبئ أسفل الناس.
والغجري الذي طلب التبغ ظهر له الشبح في هيئة ذئب مسعور، لأنه قد تفوه بما قاله. كان الغجري متأكداً أن الشبح لصاحب دكان التبغ وقد جاء من أجله.
كانوا محظوظين لأنه كانت هناك غجرية خبيرة في أمور السحر وأخذت تعمل التعاويذ ضد ذلك، وتقاطع ما بين السكين والمقصات بعلامة الصليب. كانت تلك ليلة مرعبة أثارت مخاوف كبيرة في قلب كل من حضرها، فالأرواح لم تهدأ مثيرة الصخب بجريها فوق الأسطح.