ذكريات «بارديه» صاحب المتجر في عدن

اكزافييه ألفريد بارديه
Xavier Alfred Bardey
( 1854 – 1034 )

اعداد وترجمة : محمد القاسمي
تاجر ومستكشف فرنسي، أسس شركته الخاصة Vianney لبارديه وشركائه وقد تخصص في استيراد المنتجات القادمة من المستعمرات. فتوجه هكذا إلى شبه الجزيرة العربية عام 1880 للتزود بالقهوة ووصل إلى عدن في شهر مايو. قام في شهر نوفمبر من السنة ذاتها بتوظيف آرثر رامبو في عدن.
عاد ألفريد بارديه سنة 1883 إلى فرنسا ثم الجزائر لأسباب صحية وتمت تصفية شركته عام 1884 إلا أن أعماله تواصلت في كل من عدن والبحر الاحمر حتى عام 1897. نحن مدينون له بتقرير عن الحضرموت.
إنه الشاهد الرئيس عن السنين العربية لرامبو، وهو يتحدث عنها في مذكراته «بر العجم» الصادرة سنة 2010 بتصدير لـكلود جانكولاس Claude Jeancolas، عن دار l’Archange Minotaure. للنشر .

الذكرى 1 :
كان في الخامسة والعشرين من العمر، ولد في مدينة دول Dôle (إقليم الجورا Jura)، قادم من قبرص حيث عمل كرئيس مجموعة من الحرفيين، وبما أن الشركة التي كانت توظفه قد أوقفت أعمالها فقد ركب سفينة وتوقف في موانئ البحر الأحمر على أمل أن يجد عملا ووضعا ملائما. مرض في الحديدة وغلبت عليه الحيرة فاستقبله السيد تريبوشيه M. Trébuchet وهو عون لدى شركة Morand-Fabre بمرسيليا، فأرسله إلى عدن وأوصى به MP. Dubar. فوظفه هذا الأخير، وعينه رئيسا لورشة. كان يتمثل عمله في استقبال حزم البن التي يتم شراؤها من خلال وسيطين يعملان لحساب الوكالة. Megjee Chapsee ،التاجر الهندي الذي كان يتعامل مع التجار المحليين خاصة آل بانيان و «ألماس» الذي كان عبدا أسود البشرة، أطاع مولاه حتى أنه اعتقه وجعل منه وريثه. كان يرتدي زي أعيان العرب، ويشتري من العرب القادمين من اليمن الواقع جنوب غرب جزيرة العرب، حيث كان يزرع بن «الموكا». كان السيد دوبار راض تمام الرضا عن أداء رامبو الذي كانت لديه حينها معرفة كافية باللغة مكنته من اصدار أوامره بالعربية فاستحق احترام العاملين تحت إمرته من أهل البلد، الذين كانوا يلقبونه مع ذلك بالـ «كراني» أي الشرير ، أو ذلك الذي يمكن تسليمه إلى أي مدير ليخدمه والذي قد يكون رجلا طيبا. ويبقى سعر التكلفة ومسؤولية البيع والشراء وتأجير السفن والتأمين والعمليات المالية والمصرفية من صلاحيات مدير الوكالة.
طلب مني رامبو الذي كان يحضر أحيانا الحديث الذي يدور بيني وبين دوبار بشأن هرر وآفاق المستقبل الذي كنت أتطلع إلى تحقيقه حينما سنستقر في تلك البلاد، طلب مني وبإلحاح أن أرسله إلى هناك.

الذكرى 2
«كثيرا ما سئلت عن رأيي في رامبو الرحالة والمستكشف وعلى غرار كل الذين عرفوه في عدن وإفريقيا فقد كنت أجيب بأن حياته هناك مثالية وتستحق التقدير. رامبو بطبيعته هادئ وقليل الكلام إلا أنه يصبح فظا وبشكل مبالغ فيه، في الأوقات العصيبة، فيستخدم اعتباطا وبلا تحر أوصافا مثل « يا له من بلد قذر البلد ذا» و «ذلك الأبله فلان» ليس تكبرا فذلك في متناول الجميع بل هو طبع غريب. لقد كان طيبا مع المساكين بطبيعته وبلا تظاهر وأحيانا أيضا مع عابري السبيل المحبطين بسبب مغامرة مخيبة، أولئك الذين هم في انتظار إعادتهم إلى الوطن . لقد اطلعت صدفة على أمثلة من ذلك في المكتب وفي مخازننا، هي لم تكن استثنائية إلا أنها لم تفاجئني لأنها كانت تبدو غيـر متوائمة مع طبيعته الباردة والمنغلقة.. إلا أننا ما كنا ربما لنذكر انحرافاته أو أفعاله التضامنية لو لم يتعلق الأمر برامبو الذي يظل متميزا ومحط كل الأنظار.

الذكرى 3
«مرض آرثر رامبو في شهر مايو إلا أنه لم يلزم الفراش إلا عشرة أو خمسة عشر يوما. حينما شعر بتحسن طلب الذهاب إلى «بوباسا» في الجنوب. إنها أبعد نقطة وصلها رتل عسكري مصري في عهد رؤوف باشا (الفاتح وأول حاكم مصري لهرر) (…..) قبلت المحاولة متمنيا أن يتمكن رامبو في الأقل من الحصول على معلومات مفيدة ومهمة لتوسع وكالتنا التجارية.
تم تحميل بعض الجمال بأقمشة قطنية مختلفة وحضرت لهذه الحملة : «عندما حضرت ساعة الانطلاق على رأس هذا الكوكب الصغير أخذ رامبو منديلا (منشفة) ووضعها على رأسه كالعمامة (اعتم بها) ولبس فوق ثيابه المعتادة لحافا أحمر. كانت نيته أن يبدو وكأنه مسلم.

هذا الزي الذي أضحكنا كان يبدو للسكان الأصليين الذين كانوا شبه عراة في جلود ماعز منزوعة الشعر وحمراء اللون أو في أثواب قصيرة وقذرة، كان يبدو لهم حتما أقل إثارة للسخرية من سراويلنا وستراتنا ذات الأكمام الطويلة.
أقر رامبو الذي كان يسخر مثلنا من زيه، بأن اللحاف الأحمر الذي يضفي مسحة شرقية على هندامه، سيكون ربما طعما لبعض اللصوص إلا أنه حرص من باب الوجاهة أن يعتبر تاجرا مسلما ثريا.»