صحراؤنا مُكلّلة بالنجاح

علي البزاز

يغلبُ الظلمُ العدالةَ، عدالة الفخامة والمبالغة بالألقاب فحسب؛ طموح الكمال والقدوة، عندما لا تشملُ سوى الوجيه أو المنتصر، فتنتسبُ هكذا وبسهولة إلى الشبع والقدوة الطلائع. ولكن يبدو أن حظّها ناقصٌ، وذلك بسب التأويل والرموز، التي تمنح المرء القوة على اعتبار الضعيف ليس قبراً والجوع ليس مكروهاً. هذا هو الفرق بين العدالة العقائدية والعدالة المنبوذة من قبل الأفكار/الكهوف.
ملاذنا في العدالة المنبوذة.
ما القانون سوى فرض مبرّر!
مثلما المساواة عندما تكون التزاماً مبرّراً، وهنا، سنصلُ إلى التعسّف المبرّر.
لا حياة لنا مع الفروض، نرفض المساواة والآداب والشعائر المفروضة، مثلما نهتكُ القائد فارضاً أرجائه علينا، وكأنَّ الشمس تشرق له وحده.
من سيعدّل وجودنا؟
من ضحية إلى فرض الضحية، من أسوار إلى تعديل فكرة المنع، من الأصل (لا وجود له) إلى الصدى. لم ينبثق الوجود من الأصلاء بل من المتصادين، فالأصل واحد مملٌ، والصدى متعدّد بفعل التصادي، والقابلية على جذب آخرين ومجموعات إليه. أنا الصدى، ويا ليتني كنتُ فعلاً للصدى.
هو خالٍ من العنف، كائن غير مفروض سلفاً. «الأصلي» مفعمٌ بالفرض- العنف، لأنّه أصل، فلا يقبلُ بغيره، كقوانينه الملزمة سلفاً، كحديقته المفروضة بالقوة. كالنهر المتَّفق على جريانه.
لا تُمثلنا أبداً، يا أيها الواجب، فلست واجبنا، ولا صحيحاً، بل نساهمُ باعتلالك. لا تفكر فينا وكأنّكَ في رحلةِ صيد.

يلغي النقدُ صفةَ التجاوز، عندما يبحثُ عن الجمال أو الرديء، أوعن الحقيقة وحدها في النصّ، فهو، يسير هكذا وفق ثنائية تطرّفية وثوقيّة، تقوده إلى صفة الرقيب أو المصلح. ينبغي على النقد تجاوز النصوص، محقّقاً نصّه الخاص، لأن النقد، كتابة تحتوي صفات الإبداع، إسوة بالنصوص الشعرية والروائية، والنقاد، هم أولئك الكتاب المبدعون، الذين لهم نصوصهم الخاصّة بهم، وإن اشتغلوا على نصوص الآخرين. لا يقترح النقد البدائل، إنّما يقترح آليات للتفكير، من دون طرح بديهيات مغايرة، وإلّا، فما الداعي أصلاً، إلى تقويض مسلّمات وإحلال يقينيات مكانها.
الأسبقية غير ضرورية، بمعنى النصّ أولاً، والنقد المكتوب عنه ثانياً، الفضيلة للإبداع وحده، نصّاً أم نقداً. يقول دولوز: « أعتقد أنّه من غير المجدي لفكر ما، أن يعلن عمّا أخذه وما وجده عند كتّاب آخرين، بما أنّه لا يجد عند هؤلاء إلّا ما وضعه هو نفسه في نصوصهم». ينشغلُ النقد العربي خصوصاً بالبحث عن الصحيح أو الخطأ في النصوص، وكأنّه مصباح ديوجين، فالصحيح مثلما الخطأ لا يوجد بتاتاً، إنّما يظهر في علاقة مع مفاهيم أخرى، تتصل به مثل مفهوم الحداثة، الحقيقة والقوانين، الهوية والآخر. مأساة القول هي: إنّ الصحيح، هو ذلك الذي يتجنّب الخطأ، وأنّ العدالة خالية من الظلم. وإذا اعتقدنا جزافاً بجدوى النظرة هذه، عندئذ لابدّ من قياس حجم الصحيح في الخطأ والعكس صحيح. النقد غير المتطرّف، ينقُد الحقيقة والشمس والسوط معاً، لأن هذه المفاهيم، هي معتقدات، وتخضع إلى التفكير في صحتها، بل أحياناً إلى عدم اعتبارها المعيار الأوحد. المعيار الثابت، هو ذلك الجاهل بالقياسات المتنوّعة وهو المتطرّف. إنّه لأمر مؤسف، التضحية بمفهوم الانتقاد لجهة إعلاء الممارسة العنفيّة، التي توّجه ضدّ المعتقدات والنصوص، وضدّ الحياة الاجتماعية عموماً، وبالتالي، يتّجه النقد نحو تشجيع ثقافة الارتياب بالآخر، بمفاهيمه وطريقة حياته، فيصبح التشكيك بالمؤمن المسيحي والمسلم والعلماني من أهداف الانتقاد، أي تحريف النقد؛ من ممارسة أدبية، إلى عمل يهدف الإلغاء والحجر. بمعنى النقد المتكبّر. يكتب أوليفيي آبيل في مقدمة كتاب» الانتقاد والاعتقاد» للفيلسوف بول ريكور: «لماذا يتعين وضع روح الانتقاد في علاقة تصادم مع روح الاعتقاد؟ لأنّ ثمّة روح انتقادية تقضي على كل اعتقاد، إنّها ضرب من الشك المتقاعس، ونوع من الارتياب القَبلي».

صحراؤنا تقبلُ الإنصافَ، صحراؤنا مكلّلة بالنجاح على رغم وجودها الحزين والمنبوذ، ونهرهم ليس جارياً إلاّ بحسب سجلات الدولة.
أنا خائفٌ من جماعة النهر، ونهر الجماعة، من أموالهم في الحدائق، خائفٌ من النهي ذي الطبقات، والعِصيّ ذات التضاريس.