صفقة السلاح والنهاية

ترجمة النصّ مصطفى قاسميالحسني 

في سبتمبر 1885 اقترحت صفقة على رامبو من قبل مهرّب فرنسي وتتمثّل في تزويد «منيليك» ملك ملوك إثيوبيا بالسلاح، وهو الذي كان على جيشه مواجهة الغزو الإيطالي.
إلّا أنّ شريكه مات فجأة، وانطلق رامبو في أكتوبر 1886، على رأس قافلته المتكوّنة من قرابة الخمسين جملا وثلاثين رجلا مسلحا. بعد مسيرة شهرين التقى أخيرا «منيليك» الذي لم يعد بحاجة لا للسلاح ولا للذخيرة، إلّا أنّه قبل التفاوض بشأن مخزون رامبو بسعر أقل بكثير مما كان يتطلّع إليه الشاعر.
عاد رامبو إلى عدن في 25 يوليو 1887 وفي 30 يوليو أعد تقريرا مفصلا عن تصفية قافلته: خسارة تقدر بـ 60 % من رأسماله «بدون حساب 21 شهرا من المتاعب والمشاق». حسب جان جاك لوفرير Jean-Jacques Lefrère كاتب سيرة الشاعر الذاتية، فإنّ هذه الخسائر مبالغ فيها.
قرر في 20 أغسطس أن يرتاح في القاهرة هربا من «حرارة البحر الأحمر». فركب مركبا متوجها إلى السويس ومن ثم استقل القطار إلى القاهرة بعدما توقف في كلّ من الإسماعيلية والزقازيق، فنزل في فندق أوروبا. أودع في فرع بنك Crédit Lyonnais بالقاهرة 8 كيلوغرامات من الذهب كان يحملها باستمرار. بدأ رامبو خلال الخمسة أسابيع التي قضاها في القاهرة، يشعر بآلام في ساقه. لقد كان في الثالثة والثلاثين من العمر.
لم يكن يعلم أين يمكنه التوجه للعمل ففكّر في بيروت أو دمشق إلّا أنّه عاد إلى عدن في بداية أكتوبر قبل أن يتوجه مرة أخرى إلى هرر.
استمرّت معاناته من الآلام في ساقه الأيسر. أدخل المستشفى في عدن فنصحه الأطباء بالعودة الى فرنسا لتلقي العلاج. كان يحمل معه مدخراته، ما يعادل 300.000،00 يورو. اليوم.
انطلق متجها إلى مرسيليا في 8 مايو 1891 وهناك أدخل مستشفى Conception. فكان تشخيص الأطباء وجود ورم على مستوى الفخذ واقترحوا البتر كعلاج. غادر الشاعر المستشفى في آخر يوليو، والتحق بأسرته في «روش « Roche، شمال فرنسا.
عوض أن يتحسّن ازداد حاله سوءا ولم يعد يتحمّل لا العكازات ولا الساق الخشبيّة. و لاحظ الطبيب انتفاخا في بقية العضو المبتور وتصلّبا في الذراع الأيمن.
قضى رامبو فصل الشتاء في إقليم الأردين Ardennes إلى جانب أخته ووالدته ولم يتم إخطار أي من أصدقائه القدامى بوجوده هناك.
ستروي إيزابيل بعد ذلك للشاعر فيكتور سيغالين Victor Segalen هذه النادرة المعبرة: «في مرضه الأخير كنت أقرأ له وحينما كنت أصل إلى بيت شعري، بيت واحد، كان يتوسّل إليَّ كي أتجاوزه، كان يكره الشعر».24
قرر رامبو العودة إلى مرسيليا للعلاج ليكون «قريبا من ميناء الإبحار نحو عدن حالما شعر بتحسن»، فركب القطار برفقة أخته إيزابيل في 23 أغسطس. بعد ما تكبده من معاناة طوال الرحلة دخل ا لمستشفى من جديد
كان طريح الفراش محموما وقد انتشر المرض في كلّ جسده، إلّا أنّ رامبو لم يكن يفكّر سوى في أمر واحد « مغادرة مرسيليا والإبحار إلى الجزائر أو عدن أو أوبوك».
كلما اقترب الموت منه كبُرَ حلمه، و «أصبح كلّ شيء جزءا من حلمه»، قالت إيزابيل :
« فغدا يخلط الأمور جميعها، نحن في هرر، نحن ذاهبون إلى عدن، يجب البحث عن الجمال وتنظيم القافلة، أصبح يمشي بسهولة بساقه الخشبيّة. كنا نقوم بجولات على ظهور بغال مسرّجة بسروج منمّقة كما يجب أن نعمل وأن نتولى الحسابات ونكتب رسائل بسرعة بسرعة، إنّهم في انتظارنا فلنعد حقائبنا ولنذهب».
يحلم رامبو بعدن، يكرّر رامبو بلا انقطاع «الله كريم، الله كريم» توفي الشاعر يوم الثلاثاء 10 نوفمبر 1891، في السابعة والثلاثين من العمر.