فلسفة الجمال بين أفلاطون وارسطو

صلاح محسن جبر

«سَل ضفدعاً: ما الجّمال ، سيُجيبك أن الجمال هو زوجته الضفدعة صاحبة العينين المستديرتين الجاحظتين من رأسها الصغير، وفم واسع مُنبسط، وبطن صفراء، وظهر بني اللون… إسأل الشيطان ، سيُخبرك بأن الجمال زوج من القرون وأربعة مخالب وذيل.استَشِر الفلاسفة في النهاية، سيُجيبونك بكلام مبهم .. وهناك أسباب أخرى كثيرة تجعلني أقرِّر ألا أكتب دراسة عن الجمال»

بسخريته المحبَّبة وانتقاداته الذكية هذه يغلق علينا فولتير (ت 1778) أي باب للحديث عن الجمال وفلسفته، ولكن هل سيكف الفيلسوف عن الكلام، هذا الذي ليس له من حرفة سوى الكلام والثرثرة، أم إن الفلسفة وإن كانت هراء لا طائل من ورائه تبقى هراء مهماً كما يرى فتجنشتين (ت 1951) ، برأيي أن الأمر لا هذا ولا ذاك طالما أن الفلسفة لا تخلو من أعداء لها من داخلها على مر تاريخها، ومهما يكن من أمر فإنَّ موضوع الجمال وفلسفته أوسع وأكثر تعقيداً من مقارنة الضفادع، والوعي الجمالي ضارب بالقدم، قبل ظهور اللغة حتى، فالفنان الأول هو الصياد الذي عبّر عن انطباعاته وانفعالاته بما فيها من أعجاب ورهبة وخوف للحيوانات التي يصطادها بواسطة تصويره لها، على جدران كهفه، ذلك كون الإنسان البدائي لا يفرِّق بين الرمز والواقع، وهذه الرؤية مشابهة تماماً للموقف الذي اتَّخذه الهندي الأحمر المنتمي إلى إقليم «سيو» الذي قال عن باحث اجتماعي رآه يقوم بإعداد رسوم: «إنني أعلم أن هذا الرجل قد وضع كثيراً من ثيراننا البرية في كتابه، لقد كنت هناك عندما فعل ذلك ومن ذلك الحين لم تعد لدينا ثيران»2

وكثيراً ما نُظر لهذا الفن نظرة ظالمة كونه مرتبطاً بدوافع عملية طقوسية ودينية، ذلك لأنَّنا ننتزع الإنسان البدائي من بيئته وعصره وننظر إليه بالقياس إلى عصرنا، وبرغم ذلك فقد حدثت ضجة كبيرة في الأوساط العلمية عندما اكتشفوا لأول مرَّة فن الكهوف فمن غير الممكن تقبُّل فكرة كون تلك الرسوم الممتازة من أعمال إنسان ما قبل التاريخ، بل لا بد من أنها في رأيهم من عمل فنان حديث متجوّل شغل أوقات فراغه في رسمها، وكان لا بد من الانتظار حتى تحدث اكتشافات متكررة ومماثلة لفن الكهوف في جميع أرجاء أوروبا ويدور الجدل لسنوات قبل أن يتمّ التخلي عن نظرية الفنان المتجوّل. وبما أن فلسفة الجمال قائمة على الجهد النظري والفكري المنصَّب على تفسير القيّم الجمالية، وإبداعات الفنون الجميلة، فلم تغب عن ذهني لوحة «مدرسة أثينا» الخالدة للفنان «رفايللو سانزيو» التي نفذها بين (1509-1511) على أحد جدران غرفة «لاستانسا ديلياسينياتورا» في الفاتيكان، التي يتوسَّطها أفلاطون (348 ق .م) وأرسطو (322 ق .م) دلالة على نفوذهما في العالم القديم وهما يشطران تاريخ الفلسفة بطوله وعرضه، الأول رافعاً يده للسماء حيث الحقائق الثابتة والمثل، والثاني يشير إلى الأرض حيث الواقع الحسي الملموس.
الجمال صورة المثال والفن في خدمة الدولة
صحيح أن فلسفة أفلاطون خضعت لتأويلات عديدة بل إنها واحة للتأويل وهذا شأن كل فلسفة عظيمة تملك القابلية كي تنعكس في مرآة عصرها، فمن الثابت أن نظريته في الجمال ترتبط أشد الارتباط بفلسفة المثل، ذلك لأن الجمال عنده هو أحد المثل العليا، أما الجمال الذي نراه في الأشياء البادية في عالمنا فهي صور ونسخ باهتة وزائفة لذلك الجمال المطلق، فكلما اقترب الشيء من مثله الأعلى، شمس العالم المعقول، ازداد حظه من الجمال وكلما ابتعد ازداد بشاعة، «فمثلاً إذا رسم الرسام كرسياً فلهذا الكرسي مرتبة ثالثة من حيث الوجود إذ هناك أولاً فكرة الكرسي كما صنعها الذهن الإلهي وهناك ثانياً الكرسي المادي الذي يصنعه النجار وثالثاً مظهر الكرسي أو صورته كما يرسمها الفنان»3

وعليه فإن الفنان أبعد ما يكون عن الخلق والإبداع، بل إنه أدنى مرتبة من الصانع، وكل الأعمال الفنية هي أقرب الى الظلال وأدنى مرتبة في الوجود بل إنَّ عداء أفلاطون للعالم الحسي وصل حتى للعلوم وقد يستغرب القارئ فلم يعِر أفلاطون أهمية كبيرة للعلوم الطبيعية بل إنها مستبعدة برأيه من مجال العلم الصحيح كونها متعلقة بعالم التغيّر والتحول، وهذا ما يفسر حماسته للرياضيات لقدرتها على تكوين طبع فلسفي في النفس وقدرتها التجريدية كتمرين للذهن وتحويله من الاهتمام بالمحسوسات والإنصراف للمعقولات، وهذا يدل دلالة واضحة على تأثره بالمذهب الفيثاغوري، الذي يربط الرياضة بغايات كونية «العالم عدد ونغم»، وحتى عندما أعجب أفلاطون بهندسة وتصوير الأهرامات في مصر القديمة، فإن الدافع من وراء ذلك هو احترامه للنسب الهندسية المعبّرة عن حقيقة الشيء، ولقد لخص أفلاطون هذا الرأي في إحدى محاوراته «إن الذي أقصده بالجمال لا يعني ما يفهمه عامة الناس من هذه الكلمة، بل أقصد الخطوط المستقيمة والدائرية والمسطَّحات والحجوم المكوَنة منها بواسطة المساطر والزوايا، إن مثل هذه الإشكال ليست جميلة جمالاً نسبياً مثل باقي الأشكال ولكنها جميلة دائماً جمالاً مطلقاً وجمالها في ذاتها» (أميرة حلمي مطر، فلسفة الجمال، ص50)، إلى جانب ذلك فإن أفلاطون يفهم الجمال فهماً أخلاقياً، فالجمال هو الخير، والجمال الحقيقي هو جمال الحق، لا الصور الحسية المادية والقيم الدنيوية السائدة في مجتمعه، وبسبب هذا كلّه اتخذ موقفاً عدائياً وصارماً من فنون عصره ومن الشعراء بالتحديد. ويذهب د. فؤاد زكريا (ت 2010) إلى الظن بأن أغلب اليونانيين كانوا يجعلون لعقيدتهم وظيفة جمالية فكانت المواسم الدينية مناسبات لاحتفالات فنية موسيقية ومسرحية، واتخذوا من أساطيرهم مادة للشعر والتمثيل والنحت والغناء، بمعنى أنَّها لم تكن عقيدة دينية ذات بعد قدسي، بالمعنى الحرفي للكلمة، لذلك رفض أفلاطون هذه الوظيفة الجمالية، منتزعاً الدين من مجال الفن إلى مجال العبادة بمعناها الصحيح، «فلا مكان للأكاذيب الشعرية عند الله».

لذلك يحرص أفلاطون في جمهوريته على مراقبة الشعراء: علينا أن نراقب عمل الشعراء وحدهم ونحملهم على التعبير في أشعارهم عن مظاهر الصفات الحميدة وحدها وإلا منعناهم عن ممارسة عملهم في مدينتنا منعاً باتاً.. وإنما من الواجب أن نراقب عمل باقي الفنانيين ونحرّم عليهم محاكاة الرذيلة والتهور والوضاعة سواء في تصوير الكائنات الحية.. وفي كل ضروب الصور»4 .

هوامش

1 -فولتير، قاموس فولتير الفلسفي، ت:يوسف نبيل ، ص51 .
2 -أرنولد هاوزر، الفن والمجتمع عبر التاريخ، ج1، ت: فؤاد زكريا، ص21.
3 – فؤاد زكريا ، دراسة ضمن ترجمته لكتاب الجمهورية لأفلاطون، ص164.
4 – أفلاطون، الجمهورية، ص 279.