في تشابه الفاشية وعدواها

نجم والي

في عمود الأسبوع الماضي تحدثت عن العوائل التي كان يستغلها الاقطاعيون وفرحوا بمجيء الفاشية، وكان لابد أن يفعلوا ذلك. كيف لا؟ فبعد أن أصبحوا مديونين للاقطاعي، بلا أرض تقريباً، وعدتهم الفاشية بتحويلهم إلى ملاكين صغار، بتمليكهم قطعة أرض من الأرض الموعودة، الجنة الموعودة لآلاف العوائل المستوطنة التي ستنشأ على الأراضي المجففة في مناطق الأهوار لاتينا؟ خاصة وأن أحد الأعمام في العائلة، «أسد القبيلة»، بيريكله يملك علاقات في العاصمة الإيطالية روما، فيما الجدة غازلت الدوتشه وجلبت انتباهه ذات يوم، أعجبته شخصيتها ومؤخرتها عندما جاء لزيارتهم مرة واحدة مع روسوني. عائلة بيروسي التي هي نموذج لعائلات على نمطها، فاشيتهم خالية من الأيديولوجيا، لها علاقة بالمصالح وحسب، إنهم يرتبون حياتهم مع النظام الفاشي، ليس من الغريب إذن، أن لا هذه العائلة، التي هي أصلاً عائلة ريفية بسيطة، ولا العائلات الأخرى التي رأت في الفاشية مستقبلاً جديداً، خاصة الفلاحين الذين حصلوا على الأراضي، أو التجار الذين رأوا في الفاشية إعادة للنظام (خاصة تجار ميلانو، حيث وطئت الفاشية أقدامها أولاً)، بعد اضرابات النقابات، أن كل هؤلاء لم يجدوا في جرائم الفاشية ما يثير التساؤل ذات يوم.
«موسوليني على حق دائماً»، تلك كانت هي الجملة السائدة، سواء عندما جفف موسوليني مناطق الأهوار تلك، كأنه أراد تجريب سلطته وقوته في بداية صعوده السياسي مع الطبيعة، رغم أن تجفيف الأهوار ليس براءة اختراع خاصة به، مملكة إيطاليا حاولت دائماً القيام بذلك، سهول عديدة في جنوب ووسط إيطاليا ظلت مهجورة قروناً عديدة بسبب هروب السكان للجبال، حماية لنفسها من غزوات البرابرة والساراسانيين ومن ثم بسبب الملاريا، لكن موسوليني الوحيد الذي سار في المشروع حتى نهايته إحياء الأراضي البور وإنشاء قرى نموذجية عليها؛ أو سواء عندما يلغي الديمقراطية ويعتقل البرلمانيين من معارضيه ويطاردهم وإن استدعى الحال قتلهم كما عند قتله ماتيوتي؛ أو سواء في محاولته «خلق الإنسان الجديد – فلاح وجندي -، في الخير والشر» (ص 154)، لذلك أحبّ موسولوليني الريف وكره المدينة؛ أو سواء في قيادة حملات عسكرية لاحتلال بلدان أخرى، رغم أن لا أحد يعرف لماذا فعل ذلك، في النهاية لم يحصل من تلك البلدان على غنيمة ما، لا في أثيوبيا التي لم يجدوا فيها «غراماً واحداً من الحديد أو الفحم، ولا مادة خام أولية واحدة، ناهيك عن النفط»، النفط كان في ليبيا في كميات كبيرة، لكنهم «لم يستطيعوا العثور عليه» (ص284). لا ذهب، لا رصاص، لا حديد، بكلمة واحدة: لاشيء! حملة استعمارية لاحتلال أثيوبيا وليبيا ولاحقاً ألبانيا واليونان عبثية. جنود من أصول فلاحية جعلهم الفقر والفاقة يتطوعون بالآلاف للقتال هناك، ولا أحد تساءل ماذا نبحث هناك؟ «الدوتشه على حق»، حتى عندما بدأ يسير على خطى هتلر ويصفي اليهود، لم يعترض أحد.
الوحيدان اللذان اعترضا على موسيليني، هو القائد الفاشي إيتالو بالبو وزميله دي بونو، الذي خاطب الودتشه قائلاً «لكن ماذا فعل اليهود لكم؟ في إيطاليا هم أكثر فاشية من جميعنا نحن» (ص323)، وهو لم ينطق بجملته تلك من العدم، فبصفته منظراً للحزب الفاشي ورقم 3 كان يعرف لما يقول أمثلة عديدة في ذهنه، من أين يبدأ: كاميلو براني الهنغاري الأصل لكن المولود في ميلانو، مهندس زراعي ممتاز، وعسكري، شارك في كل حروب إيطالياً الاستعمارية، بصفته ضابطاً في ليبيا، وكأحد أصحاب القمصان السود في الزحف الفاشي على روما، عمل في مشاريع موسوليني باستصلاح الأراضي في الريف، في ماكارسه وفي ساردينيا وأخيراً في قناة موسوليني.