د. حسين الهندواي
في الاهتمام الفلسفي المتخصص، وفي مرحلة متقدمة نسبيا من ممارسة البحث الدراسي او الاكاديمي، التقليدي، يشعر بعض المشتغلين بالضيق من قيود وحدود ذلك البحث فتراودهم المغامرة على تخطيه نحو نمط جديد من التأمل ينزع تدريجيا وتلقائيا، انما بقوة اكثر فاكثر وثوقا، الى التسامي التام والجذري على القواعد الاكاديمية ذاتها والميل الى اغراء “الضياع” في الهواء الطلق. وهي حالة او مرحلة يشعر فيها المرء بأمان طوعي مع نفسه وحدها دون العالم الخارجي، اذ تبدو اشبه بالوقوف على ضفاف نهر عذب وثر في آن، يغوى لحظتها المتأمل تلقائيا بإدارة ظهره للموجودات الاخرى، متماهيا مع بهجة فطرية تجعله خلاقا بذاته، ولا أهمية عندئذ لصدقانية هذا الادراك او وهميته.
هذا “الاغواء” يقود في الفلسفة الى مرحلة متميزة في الكتابة هي “المحاولة”. وهذه كانت بين اغنى وأنشط مجالات الإبداع في فترات ازدهار سابقة لثقافتنا، الا اننا نلاحظ غيابها النسبي في مرحلتها الراهنة. فثمة قطيعة بين تلك الفترات وفترتها المعاصرة تتقلص تدريجيا بلا شك، بيد انها لن تزول مما يعني ان الانطلاق فيها غير ممكن الا على اساس تواصل مع المعطى الماضي (ولنقل ما قبل العثماني مؤقتا)، انما على أساس جديد يتصل بالضرورة بالمنجز العالمي والغربي خاصة ويتفاعل معه لأن الفلسفة كونية بالطبع وبالطبيعة. من هنا تأتي الأهمية الاستثنائية للترجمة الدقيقة لذلك المعطى العالمي الذي نأمل الاستفادة منه واللحاق به وربما تجاوزه.
ولنلاحظ منذ البدء، ان اللغة العربية المعاصرة تمتلك قدرات كبرى فعلية وكامنة على التعبير الدقيق والوافي جدا عن المفاهيم الفلسفية المحضة بفضل اجتماع ثلاثة عوامل اساسية فيها معا وهي: الثراء الهائل بالمفردات والمصطلحات القادرة على استيعاب محمولات شتى وشاسعة، والطاقة التصريفية والاستقبالية المرنة والكبرى والجاهزة للتحوير والنحت عند الضرورة لتلبية اي حاجة للتعبير عن معان جديدة او مستجدة، وضخامة خزين حضاري/لغوي شامل موروث ومتراكم ايجابيا وتدريجيا منذ اقدم العصور لكن المنفتح على المستقبل ايضا. هذه العوامل لم تجتمع من قبل في واقع الحال الا لعدد ضئيل جدا من اللغات وحدها العربية ظلت حية الى الآن كلغة عالمية قديمة فيما اندثرت اللغات العالمية الاخرى كالاكدية والبابلية والهيروغليفية والاشورية والاغريقية والارامية واللاتينية والاخيرة تركت مكانها لنصف ذزينة من اللغات القومية لكن العالمية النفوذ.
وفي مجال المصطلح الفلسفي استفادت اللغة العربية بل نهلت واستقبلت كثيرا من المصطلحات من الثقافات السالفة لا سيما العراقية والمصرية القديمتين وكذلك اليونانية والفارسية والهندية والرومانية. ولو لم تكن اللغة العربية مؤهلة سلفا لذلك الانتهال والاستقبال لما امكن انتقال فلسفة الإغريق المكتوبةُ باليونانية إلى المفكرين العرب عبر الترجِمَة إلى المفردات العربية الجاهزة عندما يكون ذلك ممكنا او عبر تعريب المصطلحات الاجنبية اي نقلها الى العربية من لغتها الاصلية دون تغيير كما هو الحال مثلا بالنسبة لكلمة «فلسفة» الاغريقية الاصل والتي ظلت طريقة لفظها تشي بأصلها اليوناني، بحيث يكون بالإمكان تبيان هذا الأصل عند الاقتضاء، كما فعل الفيلسوف الكبير أبو نصر الفارابي، على سبيل المثال، حيث اشار دائما الى أن «اسم الفلسفة يوناني وهو دخيل في العربية. والحال، فقد كان بوسع العرب أن يترجموا كلمة philosophia اليونانية الى «حكمة» ولا يكتفوا بتعريبها إلى فلسفة. لكنهم، توضيحًا للأمور ودرءًا للالتباسات الممكنة بقدر المستطاع، وجدوا ان لا مناص من تدقيق فوري لمعنى كلمة فلسفة وتبيان ما يميزها من مصطلح الحكمة الإلهية. فالفلسفة كانت بنظر كبار الفلاسفة الناطقين بالعربية (الكندي، الفارابي، ابن سينا، ابن باجة، ابن رشد)، قبل كل شيء، نهجًا يقوم على قواعد في البرهان شديدة الصرامة، وضع صيغتها النهائية أرسطو، تلميذ أفلاطون. بعبارة أخرى، لم تكن الفلسفة، في مقدماتها على الأقل، تمت بصلة إلى حكمة مقدسة، يشير إليها مصطلح «الحكمة الإلهية» إشارة صريحة، بل الى الفلسفة اي ذلك النهج العقلاني المأثور عن أرسطو وافلاطون لا سيما وان الفلاسفة المسلمين لم يجتهدوا في الاصل فلسفيا من اجل تأويل القرآن او تفسير عقيدتهم المقدسة، بل من اجل فهم عقلاني للعالم والإنسان. لذا، كانت منطلقاتهم المشتركة، نظريًّا على الأقل، عناصر معرفية يقبلها كل إنسان، ألا وهي معطيات العقل البشري، دون التماس أي وحي بعينه.
خلاصة القول كما لاحظ الباحث الفرنسي فيليپ ڤالا، ان الأمانةُ على فكر هؤلاء الفلاسفة الناطقين بالعربية تقتضي عدم التكلم هنا عن الحكمة الإلهية عندما نتكلم عن الفلسفة لديهم، كما إن في إمكاننا أن نميز في عملهم جميعًا سمة بارزة، ألا وهي الأهمية التي أوْلوها للمنهجية وللقواعد الأرسطية في التعقل، حيث أجمعوا على الاعتراف بمكانة أرسطو أستاذًا بلا منازع للمعرفة العلمية والمنطق، كما ولمنهجية هذه المعرفة، أيًّا كان العلم المعتبَر. ومن هنا الاستنتاج بان حركة الترجمة الفلسفية الكبرى إلى العربية التي بدأت في القرن الثامن، ليست مدينة للسريانية وحدها حتى بالمحاولة الأولى لتطويع مصطلحات الفلسفة اليونانية للغة العربية، بل هي مدينة خاصة لخيار حاسم يتعلق بأساس الاجتهاد الفلسفي وقدرة اللغة العربية على الاضطلاع به، وهو خيار أخذ الفلاسفة المسلمون به، فجددوه وأضفوا عليه بُعدًا لا يقارَن بكل ما عُمِل قبلئذٍ. اي أن النصوص ليست وحدها ما كان يُنقَل، بل منهج قراءتها وتأويلها أيضًا.
انا افكر اذن انا ذات
وعلى العموم، ان الترجمات العربية للنصوص الفلسفية الغربية الكبرى مثلا لا تزال محدودة بشكل مثير برغم التلاقيات المتعاظمة بين الثقافات العالمية التي تحققت في العقود العشرة الماضية لأسباب عديدة معروفة في مقدمتها الثورة الكونية في مجال الاتصالات والتواصل. والاخطر من ذلك ان بعض المفاهيم الفلسفية الجوهرية السائدة تتضاد مع الاصل المترجم، مما يجعل التأسيس عليها خاطئا منذ البدء مع كل ما يترتب على ذلك من أوهام ومغالطات.
فعلى سبيل المثال، قادتني نزوة في مرة سابقة الى تأمل مفهوم الذات لدى ديكارت، فوجدت نفسي ازعم ان عبارة “انا افكر اذن انا موجود”، هذه الصياغة العربية المعتمدة من قبل الجميع كما يبدو، مضطربة قطعا وعقيمة، كترجمة لما يعرف بـ “الكوجيتو” الديكارتي.
فـ (Sum Cogito Ergo) ، لا يمكن بأي حال من الاحوال ان تعني، بنظرنا المتواضع، مجرد “انا افكر اذن انا موجود”. بل تعني، حرفيا، (افكر اذن أنا). او كما نقترح “افكر اذن ذات أنا”.
لا ريب، اننا نكن تقديرا عظيما للمترجم العربي الاول الذي أقدم على ترجمة “الكوجيتو”، لكن، لا ريب ايضا، في انه خان ديكارت في مكان ما منها والا بربكم، ما معنى هذا اللغو: “انا افكر اذن انا موجود”!. والحال، ان ديكارت نفسه عندما اشرف-او قام- على ترجمتها من اللاتينية، لغة الكتابة في اوروبا في عصره، الى الفرنسية، لغته، جعلها je pense donc je suis ولم يجعلها je pense donc jexist. ولو عاش الرجل، نتخيل، حتى هذا القرن وعرف كيف اصبحت الكوجيتو في لغة الضاد، لقتله الأسى جزعا.
لان مقايضة الكوجيتو بـ- “انا افكر اذن انا موجود” يمثل طعنة نجلاء لروح الفلسفة الديكارتية، هذه الفلسفة التي لم يكن يشغلها شاغل الا البرهنة على ان الانسان، والانسان موجود بداهة، هو، ولأنه يفكر، ذات حرة، قائمة بذاتها وسامية، أي البرهنة على “انني” -(وليس “انا” لأن الجملة الاسمية فضفاضة بحكم البنية)- عقل، وبصفتي عقلا أحوز على يقين قاطع بامتلاكي -نعم امتلاكي- “انا” او “ذاتا” ثبت وجودي ام لم يثبت، أي دون ادنى حاجة لي ان اعرف فيما اذا كنت موجودا حسيا ام لا. بعبارة اخرى، ان الانسان موجود بالنسبة لديكارت، والحيوان موجود، والنبات موجود، والفكرة موجودة. فهذه يقائن لا ينكرها الا مازح او معتوه. لكن الانسان وحده الذي يتميز عن كافة “الموجودات”، وذلك لأنه وحده الذي يستطيع ان يتذهن. ولأنه كذلك فهو يمتلك بالضرورة ماهية مختلفة، اسمى واشرف، مقرونة بوجوده الحسي، ممثلة ب- “انا”، او “ذات”، بسلبها او نفيها او تأجيلها او ترميزها او جهلها، لا يعود الانسان انسانا، انما يصبح “شيئا” آخر موجودا وحسب.
وهنا ينبغي ان نموضع روح ودينامية الشك الديكارتي كمنهج. وعلى هذا الانجاز تحديدا استحقت الديكارتية مكانتها الريادية في تاريخ الفلسفة لتصبح، زمنيا، لحظة فاصلة بين عصر وسيط محوره الحط من قيمة الذات الانسانية، كفردية وحقيقية وملموسة في وجودها الموضوعي، عصره رمزه الأفخم فتاوى ابن تيميه وابن ميمون وابن الاكويني ومحاكم تفتيش وأصوليات من كل الالوان، وبين عصر محوره اعلاء تلك القيمة وان نظريا حتى هذه الساعة.
لنلق اذن هذه الـ- “انا افكر اذن انا موجود” في البحر. فديكارت لم يشك لحظة في كونه موجودا ويفكر. وكل ما اراد ان يثبته هو انه كموجود يفكر كذات، اي انها لا تحتاج الى قوة اسمى، خارجها تمنحها سبب وجودها ثم تسحبه منها متى تشاء. وعندما نقول هذا فاننا نضع امامنا الآن المادة الاولى من تأملات ديكارت الميتافيزيقية الثالثة حيث يقول لنا هذا الفيلسوف، الموجود قبل واثناء وبعد ان يفكر، انني، والترجمة على ذمتنا، “لو اعمد الآن الى اغماض عيوني واغلاق مسامعي وتعطيل كافة حواسي، ولو امسح من ذهني كل صور الاشياء الجسمية، او على الاقل لصعوبة ذلك، اعاملها كما لو كانت وهمية وباطلة، عندئذ سأجد نفسي مخاطبا ذاتي وحدها، متأملا داخليتي، مزدادا معرفة وألفة بهما اكثر فاكثر”.
ودون الدخول هنا في تلافيف الفلسفة الديكارتية حول الذات، نستطيع القول ان الانسان بالنسبة لها ليس مجرد عقل وضع بتصرفه وجود معين، انما هو وجود حي وعاقل يمتلك ذاتا. وهذه الذات تعرف نفسها مباشرة كموجودة حتى دون وساطة للحواس والانفعالات. وديكارت هنا يتجاوز المفاهيم الارسطية ويحطمها. فلقد كان ارسطو يحب ان يقول ان الانسان حيوان عاقل وان النفس لا يمكن ان تعرف نفسها مباشرة، انما تتعرف عليها عبر الانعكاسات فقط. فالعين ترى كل شيء لكنها لا تستطيع ان ترى نفسها الا عبر الانعكاس في المرآة. كذلك الروح لا تتعرف على نفسها الا عبر النتائج التي تولدها. كلام فارغ هذا سيقول ديكارت مساجلا: ليست العين هي التي ترى نفسها في المرآة فهي لا ترى حتى المرآة، انما العقل -بذاته المستقلة- هو الذي يدرك وحده المرآة والعين ونفسه والوجود واللاوجود.
بلا شك ان صيغة “انا افكر اذن موجود” تحمل جزءا جوهريا من الحقيقة التي ينطلق منها الكوجيتو الديكارتي. لكن هذا الجزء ليس الا نقطة انطلاق ولا فضل لديكارت فيه بشيء، لانه معروف قبله بزمن طويل. فمنذ طلائع التأسيس الفلسفي في سومر وبابل ومصر والاعتراف بسمو الذات الانسانية في وجودها الموضوعي يعبر عن نفسه بصيغة او بأخرى. ان العجالة الشديدة هنا تحرمنا من الاستعانة بالنصوص السومرية والبابلية والمصرية المليئة بالأمثلة. لكننا نصادف دائما فيها هذا المفهوم الذي يؤكد خصوصية الوجود الانساني وسموه بفضل ملكة التذهن.
فصورة الآلهة في الفكرين العراقي والمصري القديمين هي بشكل او بآخر استنساخ لصورة الانسان، وإن كانت الضرورة تفرض على المفكر قلب الاولويات، وجعل الانسان مخلوقا على صورة الالهة، من أجل صياغة منظومته لتفسير الوجود بكونيته الشاملة. ففي احد النصوص السومرية هكذا نستمع الى انليل وهو يأمر الآلهة بخلق الانسان:
“خذي حفنة من طين من فوق مياه الاعماق
واجعلي الصناع الآلهيين يعجنون الطين ويكثفونه
ثم قومي انت بتكوين شكله واعضائه
وسنعلق عليه صورة الآلهة
على انه الانسان”
وهو نص لاشك في ان “العهد القديم” استلهمه عن قرب حين يقول في سفر التكوين (الاصحاح الاول 26-27-28):
“قال الرب نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا
فخلق الرب الانسان على صورته
على صورة الرب الانسان خلقه..”
وفكرة “الله يعلق صورته على الانسان” نجدها في العديد من النصوص البابلية والفينيقية، كما نجد لها موازيات في النصوص المصرية حث يقول احدها ان الانسان هو صورة لله “انطلقت من جسده”. ولا يمكن ان نغلق هذه الفقرة دون الاشارة الى ان المتفلسف العراقي القديم لم يلبث ان طور هذا المبدأ بشكل ألمعي عندما قلب اتجاه التماهي بين الآلهة والانسان الملموس، كما في فكرة طبيعة جلجامش “الذي ثلثاه اله وثلثه الآخر بشر”، وكما لو ان الانسان صار ضجرا من قدرية ان آلهته هي التي تتكرم عليه بمنحه صورتها، نجده تطلع هو نفسه بنفسه عبر مغامرة جلجامش الى ركوب سلم السماء توقا الى الارتقاء الى منزلة الآلهة. وهو ارتقاء فلسفي المضمون في الجوهر.
صفوة القول، ودون الخوض في تفاصيل تطور معركة الذات، من سومر الى ديكارت، لانتزاع الاعتراف والمعرفة بها، نستطيع التيقن من ان مفهوم “انا افكر اذن انا موجود” يجد أصوله في اقدم ازمنة التفلسف.
حتى فكرة “انا افكر اذن انا ذات” يمكن ان نعثر عليها قبل ديكارت لا سيما لدى ابن سينا فيما هو معروف بنظرية “الرجل الطائر في الفراغ” حيث نجد ابن سينا في “الشفاء” وفي نصوص اخرى يقترح على الواحد منا: ان يتصور ذهنيا انه خلق دفعة واحدة وخلق كاملا لكنه حجب بصره عن مشاهدة الموجودات الخارجية وان يتوهم بانه خلق يهوي في فراغ او خلاء حيث لا مقومة تحس بها وحيث اطرافه متباعدة فلا تلاق ولا تماس بينها ثم يتساءل: هل يثبت وجود ذاته؟ الجواب نعم لأن طرح السؤال عن ذاته يكفي لذاته اثبات انها موجودة وهذا عبر الفكر (السؤال) وليس عبر جسمانيتها. فالذات عندئذ تكون “قد غفلت عن كل شيء الا عن ثبوت انيتها”. اي لا حاجة له لأن يثبت لذاته بانه موجود جسميا كي يثبت بانه موجود كذات، فلا شرط لوجود الـ “انا” سوى ذاتها.
ولا شك بالنسبة لنا من ان كوجيتو ديكارت مدين بجوهره وروحه لابن سينا.
لن نذهب ابعد من ذلك لاثبات اضطرابية ترجمة الكوجيتو لديكارت الى العربية. ومع ذلك يظل غريبا ان نتباهى بهذه الترجمة لحد الآن. ربما نجد طواعية الف عذر للمترجم الاول الذي اقترحها، لكن لماذا الركود عليها وكل تاريخ الفلسفة الغربية اللاحق لديكارت يفرض نبذها? ونكتفي هنا ببعض اضاءات هيغل الذي يدفع الكوجيتو الديكارتي الى اقصى حدوده عندما يعطي اهمية مطلقة لفكرة ان اعرف انني موجود ك- “انا”. فهذه الفكرة لا تعني بانني موجود كعقل وكذات انك ايضا كحر، أي كذات حرة. لأن الاقتصار على الاعتراف بي كعقل فقط، او كذات فقط، يعني انني بصفتي هذه مجرد “مشروع” غير محقق: “انا حر في ذاتي ولذاتي، ولست موجودا الا بقدر معرفتي بوجودي كحر”.
والادهى ان صيغة “انا افكر اذن انا موجود”، يمكن ان تذهب في الاتجاه المضاد للبشارة التي اطلقها المفكر السومري والمصري في الأزمنة القديمة وابن سينا وديكارت وهيغل في الازمنة المتأخرة، ولعل هذا ما يفسر قبول الايديولوجيا بها كجزء من اثاث البيت، بل واستخدامها في نفي الذات التي جهد ديكارت لاعلائها واطلقها هيغل من كل اسر.
ان الاعتراف بي كموجود وحسب يعني بالضرورة ان علي واجبات وحسب، وانني رأس بين رؤوس الرعية وحسب، وهذا يسمح، وسمح اصلا لدموي بائد لا يعرف ايضا بانه ذات ان يرسل نصف مليون انسان منا الى المحرقة، بل ووجد “فلاسفة” يطلفحون بعظمته و “انسانيته”. اما عندما اعرف بانني موجود كذات فان فكرة الحقوق هي التي تحضر.
ان هذه الفكرة البسيطة ليست كذلك بالفعل، اذ يؤكد تاريخ “الذات” ان الايديولوجيات هي عدوها الاول والاشرس، حيث عملت دائما على سحقها باسم “ذات” وهمية، تسمى القبيلة مرة او الامة او الشعب او الوطن او التاريخ او الانسانية مرة اخرى. وحتى داخل تاريخ الفلسفة تسلل بعض انبياء الايديولوجيا ليوقفوا تقدم الذات وتحجيمها وتهميشها وقتل شفافيتها ورحيقها.