قصص قصيرة جداً

مصطفى حميد جاسم

رصيف القحط

لا يحمل معه غير بضع سنوات أجهضها عندما كان طفلاً لم يدرك بعد أن الزمن يتربص به، وذات صيفٍ لاهب صادفته امرأة دميمة وشاحبة على رصيف القحط تبيع أحلامها؛ حينها توقف عن مراقبة طيور الغرام عند طلوع كل فجر، الفجر الملون برماد الحروب وأسئلةُ لا تزال على الشفاه معلقة.
سنوات عشر

سنوات عشر هي حصيلة ذكرياته عن طفولته التي ألتهمتها حربٌ أفقدته متعة النطق بحروف أسمها حتى مع نفسه. حينما لمحها تقف عند شجرة آس، تتجمع حولها العصافير في مساءٍ خريفي، كانت شاحبة الملامح تنطق باسمه لعله يخلصها من معاناة كل هذا الشحوب ويرمم سنواته العشر بهلالٍ مكتمل.
رجلٌ أليف

كم من الليالي مضت وقد حفّته لذة النوم، وأرتد إلى طرفه خفقُ جناح حمامةٌ هوت من على شجرةٍ هرمة. كانت بعدُ صغيرة، تأملها وهي مطمئنة بين يديه، حملها ووضعها بهدوء داخل عشها. في المساء كانت الحمامة الأم تبحث عنه في وجوه الناس لكي تقدم له الشكر، فيشعر بأن لياليه التي مضت يمكن تعويضها ولو بعد حين.

مسدس

ما أتعسك عند إطلالة كل فجر، تتحسس مسدسك وتزيل عنه ذرات الغبار. لم تطلق عياراً نارياً واحداً منذ أن اشتريته من شابٍ طائش، لكن سفينة إغفاءتك أيقظتك صباح يومٍ على صوت إطلاقٍ ناريّ. أسرعتَ نحو مسدسك وأمسكته بقوة كأنك بانتظار شخصٍ يتهددك، بيد أن تغريدة طائر البلبل شرعت لك نافذةً للأمل، وأخرى لزمنٍ قادمٍ يخلو من المسدسات وإطلاق نارٍ يرعب الصباحات التي تشرق بوجه الوطن.
لحظة كتابة

تعلّم الكتابة وأتقنَها، وكانت أول كلمتين كتبَهما على الورقة «بابا» ثم «ماما». وحينما دارت عيناه لم تجدا أباً أو أثراً لطيف لأمّ؛ فقط احتفظتا بأطلال بيتٍ مذبوح بالخوف والدم.
امرأة

قلّبت دفتر يومياتها الذي ما برحت تسجل فيه كل حدثٍ تشعر أنه مهم يطرأ على حياتها، وقرأت أسطراً من صفحاته لم تتبقَ إلا الورقة الأخيرة فيه، ولا تعرف بماذا تبدأ الكتابة هذا اليوم، وكانت قد سمعت في السيارة التي أقلتها لغطاً دار بين الركاب حول الأذان وآخر حول الصلاة وثالثاً عن رجلٍ يعاقر الخمر لكنه يخبىء عينيه عن طفلٍ يتضور جوعاً، ويستحي من امرأة يشعر أنها لا ترغب أن تلف شعرها بحجابٍ، لكنها تحافظ على أصول الدين.