للمرة الأولى باللغة العربية نيرودا – ماركيز

ترجمة مهند الكوفي

خلال لقاء تلفزيوني عرض في أمريكا اللاتينية، في سبعينات القرن المنصرم- بعد حصول الشاعر التيشيلي «بابلو نيرودا» على جائزة نوبل عام 1971.
في الوقت ذاته، كانت الأنظار تتجه إلى الروائي الكولومبي «غابرييل غارثيا ماركيز»، لترقب حصوله على الجائزة.
اعترف ماركيز للصحافة، بعد أن حاز على جائزة نوبل عام 1984 : «إن تأثير بعض كتاب أمريكا اللاتينية على الأكاديمية السويدية سببٌ رئيس لحصولي على الجائزة». أحيانا، لا يستوعب المكان حجم الكتلة فيه. هذا ما حدث في غرفة اللقاء بين شاهقين من رواسي الأدب العالمي، الشاعر بابلو نيرودا، والروائي غابرييل غارثيا ماركيز. حينها قال مقدم البرنامج الذي كان من المقرر أن يدير اللقاء مع الأديبين: يجب أن تُقَدِّما نَفسيكُما بنفسيّكُما.
قال ماركيز: «لو أتيحت لي العودة إلى واحدٍ من نشاطاتي، سأختار العودة إلى الصحافة». بعدها تنازل مقدم البرنامج عن تقديم الجلسة لماركيز، ليديرها مع نيرودا. فقال: هذا شيء كلاسيكي عند الصحفي، حينما تقول له شيئا، ينتهي بقول شيء آخر.ما أردت قوله: أنني أرغب بالعودة إلى الصحافة، ولكن فوق كل شيء العمل كصحفي وروبرتاج؛ لأنني أشعر بتقادم الزمن من حيث الكتابة، فيبدأ الكاتب بفقدان الإحساس بالواقع، بينما على العكس من هذا، عمل الصحفي يوفر له فرصة التماس اليومي والمباشر مع الواقع الراهن».هذا ما يحدث مع الروائي. يهمني كثيرا أن أعرف رأي نيرودا بما يخص الشعر، وفيما لو أن الشعر يحملك بعيدا عن الواقع، أم أن الشعر يساعدك على محاكاته و اكتشافه؟

نيرودا:

الشاعر عادةً يمتلك خاصية الابتعاد عن الواقع .وعلى وجه الخصوص شاعر العصور الأخيرة منذ بداية القرن العشرين, بعد «مالارميه» وشعراء على شاكلته. أنا شخصيا, كثيرا ما شعرت بالغيرة من الكاتب الروائي, الذي بشكلٍ أو بآخر, له وسيلة الدخول المباشر في القصِ وسرد أشياء يفقدها الشعر. بعدما كان المصدر الشعري الذي كان يَسما, وفقد أشياء إلى الأبد. كالشعر الملحمي, لقد كان لي توجه نحوهُ, ودائما ما شعرت بالغيرةِ من الروائيين الذين يحكون ويقصون أشياء عديدة. وإذا ما اجتمعت في كاتب, ليعذرني الجميع وأنت من ضمنهم, رغبة التحقيق والخوضِ بالواقع الحالي والواقع الافتراضي, وواحدٌ من الروائيين إنموذجا لهذا هو ماركيز, الذي يجمعني فيه الحديث هذه اللحظة.

ماركيز:

لا أعرف إن كان السبب في التطور, الحرفة أم المسيرة الأدبية.ما يحدث معي من تطور, هو توجهي نحو تحويل القصة والرواية إلى شعر, في كل ما أنتجه تقريبا. والعملية الإبداعية التي تحدث في كتاباتي؛ أنني أستطيع أن أجد حلولا شعرية أكثر من الحلول السردية. ما لا أعرفه هو إلى أين سيقودنا هذا الحوار! أعتقد إنها مقابلة مزيفة ومجهزة, من أجل التلفزيون. أليس كذلك؟

نيرودا:

ليست مزيفة مثلما تعتقد! أنا في مراحل عديدة من حياتي, وعلى العكس مما قلت. أصبحت متيقنا في كتاباتي, من إيجاد طريقة لسرد وقص الحكايات. وأنا لا أخشى أي تجربة في هذا المجال. عندما بدأوا في مقت الشعر؛ بدأوا بالشعر الملحمي. وهو الشعر الذي كان بمثابة سرد حكائي للشعوب وهذا الشعر, هو مشاعر الناس الذين عاشوا وتواجدوا. ولم يعد أحدٌ يكتب بهذا المنوال. وأنا أخشى من ذلك دون أن أدَعي مثل «دانتي» تناسي الشعر التعليمي. أنا رغّبت عبر شعري, عمل شيء من ذلك. ما جعلك مشدودا بالتغيير نحو الشعرية, ومني بالتوجه نحو السرد؛ هو جانب من تطور الكاتب. لأنه لابد من الشروعِ بالدخول في كل الزوايا الأدبية. لا بد من عملٍ بمثابة روبرتاج كما قلت أنت.

ماركيز:

أعتقد أننا نستطيع أنت لكونك شاعرا, وأنا بوصفي روائيا.وبصورة عامة كشعراء وروائيين, نستطيع أن نصل إلى نوعٍ من التعايش السلمي الأدبي.

نيرودا:

أنا أتفق معك تماما.

ماركيز:

ولكن بشكلٍ يكون فيه الشعراء في كل مرة كروائيين, والروائيون في كل يوم هم أكثر شعرية.لن نتخاصم حول ذلك بل نكون أصدقاء, ونفرح كثيرا, مثلما عليه نحن الآن, ولأن منحوك جائزة نوبل نفرح نحن الروائيون, لأنهم منحوا الجائزة لشاعر. وأعتقد ستفرح إن منحوني هذه الجائزة أيضا .لأني أعتقد مما يجري وفي كل الأشياء التي يقولونها عني, لأنك تؤثر في الأكاديمية السويدية.

نيرودا:

لا أحد يشك بذلك, بالنسبة لي أنت تستحق تلك الجائزة لأعمالك الكبيرة.