ضياف البرّاق
بعيدا عن نشرات الأخبار الخائنة، عن القصيدة التي لم تكتمل، عن الأحلام البسيطة التي لم تجد فرصة للعيش، عن صخب المقابر الآخذة في التزايد، عن السلام الهارب، عن الطفل الضائع الذي سقط جوعا على أحد أرصفة المدينة.. بعيدا عن كل هذا الخراب الجميل..!
فجأة تشعر بأن الجميع ضدك، عندها يصيبك العمى الشامل، يصيبك الانكسار.. تخنقك أحلامك الفاشلة، تخونك ذكرياتك النازفة، يخنقك الحنين إلى السلام البعيد، وتحاصرك الوحدة بكل قسوتها. لكن، ليس أمامك من مجال للاستسلام أو الفرار. تأوي إلى فراشك الرثّ بجسدك المثقل بالتعب، بهمومك الكثيرة، بمشاكلك المقرفة، فلا يأتيك النوم. ثم، تأوي إلى نفسك العجوز، فلا تجدها. السهر، هو الآخر، يقتلك بدم بارد! يحدث لي هذا كل مساء.
في هذه الحالة أنت أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا الكفاح أو الكفاح. أنت، فقط، من يستطيع إنقاذك من هكذا مصيبة. نعَم، أنت من يستطيع ذلك، لا الآخر، أيها الغريب، يا أنا. إذَن.. إما أن تكافح، وإما أن تعتذر لنفسك، وليس هنا من جدوى للاعتذار. لكي تنتصر في معركة ما، ما عليك هو أن تكافح بقلبٍ واسع، وبعقلٍ كبير. كافحْ بشكل يومي لكي تكون.
هذه هي الحياة – كما يصفها الشاعر العربي الكبير، المعري: تعبٌ كلها الحياة.. فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد!
مشاكلي في ازدياد، وكل هذه الدنيا صارت تبدو لي كتلة صماء، كتلة مظلمة تمامًا. في الظلام، يعرف المرء حجم نفسه، يعرف الوجه الآخر للحياة، ويعرف الحقيقة كما ينبغي. ومع ذلك، يظل الظلام قبيحًا، قاسيًا. الظلام هاوية، وأنت نفسك هاوية أخرى. أنا، الآن، أبحث عن نفسي في غمرة الظلام. قلبي لم يعد يحتمل أي شيء، إلى أين يمضي؟
يا إلهي، هذا زمانٌ عبثي يبعث دوما على الكآبة، زمانٌ بلا قلب، مرعب، يموت فيه كل شيء، حتى الدمعة. لماذا يسرفون في حروبهم، لماذا يحطّمون النوافذ الجميلة، لماذا يخنقون أصواتنا بأحقادهم!
كم أنت لطيف، أيها الموت! لم أعد أخاف منك، بل إنني بتُّ أشفق عليك، لقد جرّدوكَ من كل معانيك البريئة، مثلما جرّدوا حياتي من جمالها. أيها الموت: متى ستكون إنسانًا جميلًا؟
هذا هو حظي: من زمان وأنا أعاني، من زمان وأنا عالِقٌ بين صراعات الحب والحرب، بين متناقضات الوطن والمنفى، أكافح عبثية هذا الزمان القبيح، أكتب من أجل تحقيق البقاء الجميل، أبكي وأمرح في آن، أقرأ «بجنون» كتب الأدب، والفكر، والفلسفة.. أعيش بفن، أستمع إلى الموسيقى على الدوام، أمارس حريتي الخاصة، تصوفي الخاص، نحو الوجود، أحصي – كل يوم طبعًا- جنائزَ الأهل، الأصدقاء، والآخرين..أتجرّع المرارات تلو المرارات.. ولكنني، باختصار، ما زلتُ أحب الحياةَ، أجل أحبها كثيرًا، وأؤمن بعمق بأنني لن أنحني أبدًا رغم هذا التعب التكراري، اليومي، الذي أضحى لا يطاق. أنا، لم أتعلّم من أحد، وإنما علّمتْني جراحي. أحب جراحي!
ReplyForward