مرحباً بالستائر التي لا تحجب الأسرار

علي البزاز

التفاهمُ مع المنفعة أيسر منه مع التضحية التي لا وجود لها، كم أسأنا لها حينما عقرنا المكافأة في طموحها. قبيحةٌ ثياب الفائدة ، ولكنّها كالزهرةِ.
مذمومّة، ولكن السنابل ترتديها. الانتحار مكافأةٌ أيضاً وهو منصب في الإهمال. الإهمالُ هو منصب في النكران.
كلّ شيء له جزاء حتى الفداء.
هذا هو قانون الاستمرار والإحسان والمساواة.

يعملُ فعل التذكّر وليس الذاكرة، بواسطة المحو، باعتباره الإساس الزمني للأحداث ولكينونة الأشياء، كلّ ما يتعرّض للمحو، هو باقٍ لأنّه يتجدّد. الانكسار والمحو والاندثار، عوامل يقرّرها الزمن وهي من الصفات الحيّة المنتجة، خلافاً لوجودها الظاهري المُعبّر مباشرة عن الزوال والموت. لا يرتبط فعلُ التذكّر بالماضي، إلّا بمعنى واحد وهو، إنّ الذاكرة هي الآتي. البناء مهمّ وضروري، لكن المحو، ليس أداة عمران واحدة فحسب، إنّما مجموعة أدوات ووسائل، مجموعة وسائط سير، من بينها البناء مثل قاعدة التفكيك، تفكيك ثم تركيب – بناء ما تمّ تفكيكه. ترتبط الأدوات تلك بالزمن واشتغالها زمنيّاً، فيتمّ الزوال والاندثار والشطب بفعل الزمان، وإن تجلّت النتائج على المكان ظاهرياً؛ مثل الأطلال ، والزوال مرادف الموت. أدوات المكان ضعيفة وريفيّة ويمكن إزالتها، إضافة إلى عدم فاعليتها اقتصادياً، بعكس أدوات الزمن المنتجة اقتصادياً.
المرضُ محتفى به ولا يخيف. لا ينجو السليمُ من الاعتلال، بل هو نتاج المرض
والعاهة كما العثرة دافعة ومقوّية ومنتجة، وهي من أدوات الزمن. العاهة كما العثرة كما الفشل أدوات إنسانية بيد الزمن. طوبى لأدوات كهذه منتجة. العاهةُ رحمٌ.. الفشلُ رحمٌ هو الآخر. النجاح كما المكان كما الذاكرة عقائدي، هو مطيّة الأحزاب والدولة.. وعليه، لا تمجّد الأحزاب ودولنا في الشرق العاهة والمرض والفشل، بل تستعملها طبقاً لمعانيها المألوفة، بينما الأدب يستعملُ الصحراء عكس وجودها، فالجدار ليس للصدّ، والحديقة لا تعني الجمال.
نحن للأسف ورثة المكان، وتحديداً المكان، الذي لم يشتغل عليه الزمن بعد. مرحباً لورثة الزمن، وللذين هم من نتائج الزمن.. مرحباً بالماء الاقتصادي.. بالماء الزمني.. ألا يوصف تداول النقد بالسيولة النقدية، استعارة من تدفّق الماء، ولا يوصف النقد بالأشجار رغم عظمة وجودها؟ العظمة للتدفّق إذن، والمكان ليس متدفّقاً، إلّاعندما يشتغل عليه الزمن، مثل اشتغاله على الذاكرة، وجعلها متدفّقة سائلة، استعارة من الماء.
الزمن وحده المتدفّق.
هؤلاء:
السائل، المائي، المغذي، وأنصار الزمن، أو من يختارهم كمتعاونين معه، يعاونونه على أفعاله ونتائجه، هم المتدفّقون وحدهم، كالأدب والفن والأديان والمفاهيم.
إنّ الصحراء كما العاهة، هي منتجة ومعاوِنة للزمن، الذي يجبرنا على استعارة مفاهيمنا، وعلى النظر إلى الأدب والفن والأخوّة والدولة من باب الاقتصاد. فالمنفعة مثلاً وهي قانون اقتصادي، حقاً لماذا نذمّ المنفعة ونتجنّبها؟ أليس في الزواج منفعة.. وفي الحب منفعة؟ نقولُ الحبّ النافع والدولة النافعة وفي الانتحار ذاته منفعة أيضاً، وهي إشهار الذات المقموعة! المنفعة نظام تداولي منتج، يخلقُ الدول ويساعد على ديمومتها، أي تدفقّها، أي سيولتها، ترابطاً مع صفات الماء والأم والصحراء. إذا أردنا مثلاً، وضع المنفعة ضدّ التضحية والايثار؟ التضحية عظيمة وهي في صورة الأرض والنباتات، لكنّها غير متدفّقة سوى من جانب واحد وهو المضحي، التضحية كما الإيثار، لا تشتغل باتجاهين وإلّا لما سُمّيت بالتضحية. وهي تعرّض نفسها للتوقّف، لأن المصلحة غير موجودة فيها. نحن نبحث عن نظام متدفّق؛ في فعلٍ وردّ فعلٍ، تدفّق من جانبين.

تكون التضحية متدفّقة إلى اتجاهات متنوّعة، في صورة الأم لا غير.

كلا للإرث المكاني، مرحباً بالإرث الزماني المرتبط بالآتي بالقادم، وبالستائر التي لا تحجب الأسرار. الستارة مفتوحة كما الصحراء. الصحراء المتدفّقة.. السائلة، لها صفات الماء،
وهكذا،
لها صفات الأم أيضاً.

الفداء الذي لا يأوي إلى المكافأة هو خرافة.
أن أكون كاتمَ لذّةِ الإشهار يعني لستُ أنا الذات.
يعني استهزاء بي،
يعني الباطل في عافية.