منافي الفردوس المفقود

د. فاضل سوداني

يعتبر الكاتب المغربي محمد شكري الأكثر عصامية ومعايشة للأعماق السفلى لمدينته طنجة التي احبها بالرغم من سأمه منها أحياناً ، إلا أنه ربط بين وجوده ويوميات المدينة نتيجة لمعايشته الواعية مع مهمشيها فكانت طنجة منفاه وصيرورته .
طنجه مدينة متعدد الثقافات لتعدد الإدارات الأجنبية التي هيمنت عليها في الماضي ، وقد عاشت زمنها المنفلت مما منح «شكري» إدراكا متميزاً لعالمها السفلي وبهذا فأنه استطاع ان يمسك اسرار جميع مخلوقاته المستكينة او العنيفة منها وهي في صراعها اليومي الذي يبدو ابدياً .

كان شكري يوقظ ماضي شخصياته وهو شاهد عليه، أي انه شاهد على طفولة الماضي لذلك فشخصياته لا تعيش الحاضر الا كوجود فيزيقي أما الماضي فحلم متأس عليه دائما.
وبالرغم من صعوبة استحضار الماضي الا انه يشكل الحاضر دائما لأنه الزمن الذي يستقي شكري وجوده ووجود مخلوقاته من المهمشين منه، فيعرفهم ويتعايش معهم في حاضر المدينة، وهذا ما يحتم عليه ألا يترك شخصياته بل يتابع مصائرهم الاخيرة حتى النهاية.
وقد شكل هذا هاجساً له في حياته لأنه عرف ما آلوا اليه و في أي مكان هاموا على وجوههم، والى أي الموانئ النائية وصلوا ومن منهم اصيب بالجنون، ومن مات وهو في اغفاءة السكر الاخيرة. اذ لا يمكن تصور شكري من دون مخلوقاته، فوجودهم مرتبط فقط بزمن الابداع، انه زمن الحلم الابداعي. اما وجود مخلوقاته الواقعي فهم كظلال تشبع غرائزها أي هم في الوجود اللامبدع.
فهذه الشخصيات تبحث عن مصائرها وتهيم دائما في الفضاء السفلي لطنجة ، عندما كانت تحت الادارات الاجنبية تتناوب عليها بالتتابع . ولهذا فهي مدينة يغزوها بحارة العالم وجميع اصناف البشر وتتنوع فيها اماكن اللهو، وأزقتها تبدو كمتاهات يتيه فيها العارف. في مثل هذا الجو اكتشف محمد شكري شخصياته لذا فان وجودها الحقيقي مرتبط به ، إذ ليس لماضيهم وجود حقيقي إلا من خلال تناوله الابداعي لها. وشكري موجود في الحاضر ككيان ووجود جسدي يعيش في طنجاه التي يشكلها كيفما يشاء ، طنجه التي وان غرق العالم كله بالدم فهي لن تغرق إلا عند حد العَقِب كما يقول ابنها محمد شكري .

وأنا اكتشفت في طنجه بأن المنافي والمدن والوجوه تتشابه وكذلك الفراديس المفقودة . كتب شكري في قصة « اخبار الموت والموتى» عن شخصية باسم «منصف» الذي بدأ باكرا ولعه بأخبار الموتى حتى اصبح مؤرخه الجوال في طنجة كما يؤكد شكري (بان الانسان يحصل منه على الخبر اليقين سواء مات الشخص في طنجه او في الاغتراب . وكل رواية عن الموت لها مستوياتها وكل موت له لون . هل كان موت المتوفي احمر يعني « الموت قتلا» او ابيض يعني «الموت طبيعي « او كان اسودا يعني «الموت خنقا» ، ثم هل كان صالحا ام طالحا … ومن منصف تسمع كما تريد ان تعرف ) منصف يطيل دائما بتفاصيل الموتى الاغنياء ، اما الفقراء فيتحدث عن المتوفي منهم كل حسب علاقته به او احترامه له او حسب علاقتك وموقفك انت السائل من المتوفي .
واندهشت للتشابه الكبير بينه وبين احد المهمشين في مدينتي العمارة في سبعينات القرن الماضي كان يدعى «صاحب ابو الموتى» اذ دفعني السحر الغرائبي للمدينة إلى التعرف والتعاطف مع منبوذيها من الهامشيين والمتمردين والفقراء والغرباء التائهين .
و «صاحب ابو الموتى» مثل «منصف الطنجاوي» يهتم باخبار الموت والموتى. ففي شارع القادرية في مدينة العمارة كان صاحب يجلس ساعات طويلة في حانوته المظلم والفارغ من كل شئ الا من علب الصفيح الصغيرة الصدئة . ولهذا فان المدينة بأكملها تنظر له بريبة فيها الكثير من الشك في شخصيته بالرغم من انه تعدى الخمسين عاما فالجميع لا يحبون مشاركته لفعالياتهم الاجتماعية الا في فواتح الاحزان وصلاة الجماعة في المسجد .

كان لديه سجلا سرياً ضخماً لجميع موتى المدينة وهو يقرأ به دائما . يجلس كل يوم وبانتظام بملابسه الشعبية النظيفة في حانوته الصغير، اما ان يقرأ القرآن او يكتب وينقح المعلومات في سجل الموتى . يكتب عن الحالة الاجتماعية للمتوفي وعدد ابنائه ومكان سكنه او سكنهم وبالتالي تقدير ثروته ان كان غنيا، اما الفقراء فيضعهم في زاوية وتحت عبارة ـ لايملك سوى الكفن ــ . وكان الشباب العاطل الذي يبحث دائما عن الطعام الذي يقدم في العزاء على روح المتوفي يحترمون دقة معلوماته.
وعند حصوله على المعلومة الاولية للوفاة يبدأ بمهمة اخبار كل من يراه عن موت المتوفي للمساهمة بتشييع الجنازة ويذهب الى سوق العمارة الكبير ليعلن الوفاة بصوت على طريقة المنادين او القصخون ، ويكون هو اول المشيعين ومن ثم المشاركة في تحضير ضروريات الدفن أو العزاء. ويلازم العزاء للمدة المحددة بثلاثة ايام، وخلالها يجمع المعلومات اللازمة عن الوفاة والمتوفي ليدونها .
وعند إخراجي لمسرحية «حفار القبور» في مدينتي العمارة ( في بداية السبعينات من القرن العشرين) وهي كانت اعدادا شعريا عن العديد من قصائد بدر شاكر السياب ، اثار العنوان «صاحب ابو الموتى» فقدمت له دعوة خاصة لحضور المسرحية واستقبلته وأجلسته خلف مكان المحافظ أمام اندهاش الجمهور الذي كان يعده من مهمشي المدينة. ولكنني عرفت بعد ذلك بأنه من القلائل الذين فهموا فكرة العرض التجريبي جيداً.
وأثناء الحر ب العراقية الايرانية اصبحت سجلاته عامرة بالموتى ومن ثم هجر سجله ودكانه وهام على وجهه في طرقات المدينة وأسواقها رث الثياب يهذي بسبب قتل ابنه الذي لم يستلم جثته .
وخلاصة القول ان محمد شكري كتب عن منفاه الداخلي وهو في مدينته وكأنه كتب عن جميع المنافي والمنفيين وهو يعي بأن العيش في المنفى الداخلي حتى وان كان في وطنه يساعده على الابداع ، فلا يمكن للفنان أن يمتلك هذا التمايز ويكون قادرا على تناول مشاكل مجتمعه وإنسانه وعالمه،ما لم يمتلك نظرة شمولية للحياة والكون الذي نشترك في العيش فيه.