باسم عبد الحميد
لكلّ أغنية راسخة في الوجدان الشعبي تاريخ وحكاية، ودَعْ عنك جمال الصوت المؤدي ورشاقة اللغة، فالأغنية لا تحفر في القلب جزافا بل لها أسباب وأسباب كثيرة، فكيف إذاً كانت الاغنية في عدّة روايات وفي أداءات متعددة والاسم واحد؟
منذ الصبا ونحن نعيش مع اغنية تعدت أصداؤها حدود أرياف (ميسان) و(الناصريّة) حيث مبعثها، الى بغداد فالعراق ثمّ لبنان وسوريا ثمّ مصر.
استمع اليها بإعجاب الشيخ محمد رضا الشبيبي وزير المعارف عام 1936، الذي تأسست الاذاعة العراقية في عهده، وجلب لها الكتاب والادباء والمذيعين ورجال الموسيقى ونقل إليها المطربين حضيري ابو عزيز وداخل حسن من سلك الشرطة، وسواهم.
غنّى حضيري اغنية «أحميد» في بغداد وغنّاها في مصايف شتورة امام الموسيقار محمد عبد الوهاب، وسمعها منه الدكتور طه حسين في القاهرة وعزف خلفه من أجلها امير الكمان سامي الشوا وسيد آلة البزق عبد الكريم.
كلّهم أعجبوا بها مثلما الناس على اختلاف الأمزجة والثقافات، لأنّها كانت أغنية حيّة شجيّة تمتلك ذلك الأسى الفوّار والحزن الشفيف.
(سلوني .. بيمن بعد؟ تأمن. يا خايب ياكلبي)
هذا هو جزءٌ من النصّ الشعري الذي تحرّك مرارا بأصوات عدّة مطربين أبرزهم حضيري، واطلقه شعراء الهور بألوان شتى… ولكن: ما حقيقة الحكاية؟ من هو (أحميد) حقاً؟ هل هو طفل العاشقة المستهامة؟ أم هو الحبيب الذي هامت به؟
الرواية الأولى لأبي عراق
الباحث علي نكيل أبو عراق، آخر باحثي حكاية (أحميد)، أصدر عام 2017 كتابا مهما في البحوث الفولكلورية العراقية تحت عنوان (مرويات شفاهيّة من الموروث العراقي) خصصّ فيه فصلا ثريّاً بعنوان (حميد يا مصايب الله)، ويشكّل العنوان اللازمة الاساسية للأغنية التي انطلقت من أهوار العراق الى المدن والدساكر العراقية والعربية بأصوات مطربي الريف العراقي.
يقول (ابو عراق) بلغته الشعريّة الباذخة إنَّ فتاة من الهور عشقت فتى جميلا من (سلفها) أي من منطقتها وضمن البيئة الاجتماعية التي عاشا فيها.
عشقها الفتى ايضا، أرادها زوجة له وتقدّم لخطبتها، لكن ابن عمها «نهى» عليها، وقانون «النهوة» في مدن وريف العراق قديما قانون لا رجعة فيه، فابن العم هو الافضل زوجا، ولو كان متزوجا قبلها، ولو كان عجوزا تساقطت أسنانه!
انطوى الحبيبان على جراحهما، وأجبرت الفتاة على الزواج من ابن عمها قسرا، فيما لملم الفتى جراحه منتقلا الى مكان آخر متزوجا من فتاة أخرى، لكن لهيب العشق ظلّ يحيط بهما ويشعل نار عاطفتهما الخبيئة، وكانت الشعلة في قلب الفتاة التي ولدت صبيا أسمته (أحميد) أكثر شررا ولهبا، رغم أنّها حاولت التسامي وتحويل عاطفتها الى ولدها الطفل (أحميد).
مضت فترة ابتعد فيها العاشقان لكن لهيب النار ظلّ مستعرا في قلب المرأة، فيما استكان العاشق أو كاد وهو بعيدٌ عن ملاعب صباه.
وتشاء الاقدار أن يعود الى ملعبه الأول وأن تراه العاشقة وتتسلل إليه وتحتضنه والهةً وقد تناست كلّ شيء أو كادت، ويكون حوار نحيبٍ واندفاع، ويكون الاتفاق أن تهرب غدا ليلاً معه الى ديار أخرى وليكن ما يكون!
بين القبلات اتفقا على الوقت والمكان وتكون اشارة اللقاء جمر السيكارة التي سيوقدها في ذلك الليل.
أخذت العاشقة بعض حاجياتها في (بقجة) صغيرة وانتظرت عند شاطئ الهور الإشارة المتفق عليها من عاشقها في بهيم الليل، ورأتها بعد حين ..كانت جمرة سيكارة تتوهّج!
انحدرت المرأة «الناهبة» (وهذه هي صفتها في العرف العشائري) الى زورق عاشقها الذي أحرق سفنه كما يقولون، وقد قرر نهب معشوقته من زوجها ومجتمعها.
صعدت العاشقة الزورق الذي ابتعد عن ضفّة الهور الى مكان آخر يعرفه العاشق وقد برح بهما الوجد تماما، وهنا انطلقت صرخة طفل من خلف عباءة المرأة… كان الطفل (أحميد) الذي حملته أمه خفية عن عاشقها.
أوقف الرجل الزورق خائفا وغاضبا، وأعلن لها أنّها خدعته بجلبها ولدها فسيكون قد سرق ولدا من أهله اضافة الى نهبه امرأة من السلف (العشيرة)، ووجد في نفسه القوة والقسوة لأن يعمل جباشة (مرتفعا صغيرا من الطين يعلو الماء) في الهور، ويحمل (احميد) الصغير ويضعه عليها، وينحدر بزورقه الى تجمع بشري آخر وسط الهور، والأم العاشقة لا تدري ما تفعل وقد احترق قلبها عشقا وخوفا على ولدها الذي ضاع منها، وناقشت عاشقها طويلا دون جدوى حتى سكنت هلعة وقد صرخت:
(لو أموت لو يرحن عيوني)
الناس الذين ضيفوهما ليلا تعاملوا معهما كزوجين، وتعاملا مع بعضهما كذلك، فلما أصبح الصبح أدرك الفتى العاشق أنّها لاتصلح له لتركها ولدها إرضاء لغريزتها، وأدركت هي أن عليها أن تسرع لانقاذ ولدها الذي كان في المكان الذي تركه فيه العاشقان، فلم تجد ألّا بقايا حليب رضعه وقطرات دم، فأيقنت أن (أحميد) ضاع منها الى الأبد وصرخت (يمه أحميد يمه) وهي تطوف بين الناس باحثة بجنون عن ولدها الذي ضاع بفضل فورة جسدها، وظلت تصرخ:
(أحميد يا جباشتك نزلت حيلي) وصاحت:
(مسواش يا وليدي خلافك)
ولما أيقنت بضياع ولدها الى الأبد صرخت:
(حميد يامصايب الله)
الرواية الثانية لناصر الساري
في كتابه (الشعر والغناء بين الفراتين) الصادر عام 1988ببغداد، أرخ الشاعر الشعبي ناصر محسن الساري لأغنية (أحميد).
يفرش الساري خلفيّة شعبيّة لظهور الأغنية، إذ يشير أنّ نساء الهور كن يفترشن الشاطئ وهن يطحنَّ الحنطة برحاهنَّ تمهيدا لعمل الخبز مثل كلّ يوم، واذا بمشحوف يرسو عند الجرف وفيه والدة تصرخ وتنعى جنازة ولدها الشاب (أحميد) وهي تردد لاطمة منهارة:
(أحميد ولك يمه)
وهنا اسرعت النسوة المحتشدات عند الشاطئ ليلطمن ويبكين معها ويرددن اللازمة الباكية.
كان من حُضَّار اللطم والندب المطرب (احريب) وهو مغني الشيخ مجيد الخليفة فأنشد كلمات الاغنية المؤثّرة وسجّلها بعد هذا لشركة (سودا) ثمّ لشركة (بيضا فون) ثم أخذها عنه -والكلام للساري- حضيري ابو عزيز عام 1932 على مقام الصبا.
تقول كلمات هذه الاغنية الميسانيَّة:
أحميد ولك يمه حطيت إلك ذمة
أكعد يربع الروح الدنيا ملتمة
أحميد العبارة كطعت للعمارة
وأمّك المحتارة بالظيم يا يمه
والملاحظ أن كلمات هذه الاغنية الميسانيّة التي تقوم على بحر الهزج تختلف كلمات ولحنا عن الروايات الاخرى لاصول أغنية (أحميد) التي أداها حضيري وداخل حسن وسواهما.
رواية العامري ثامر
المؤلف ثامر محسن العامري يقدّم روايتين للاغنية، في كتابه المهم (الغناء العراقي) الصادر عام 1988، الرواية الثانية منهما تتوسّع في توصيف رواية الساري للأغنية، إذ يقول في ص232 من كتابه، إنّ أمَّ (أحميد) في يوم من أيام عام 1931كانت تتجه بولدها الشاب الراحل بالطرادة الى مدينة العمارة وهي تبكي ولدها وتصرخ كلما وصلت الطرادة الى أي تجمع بشري (سلف) سكن أطراف الهور وهي تنوح (أحميد خايب يمه)) فتشاركها النساء المجتمعات عند الشاطئ النواح واللطم، ثم تسير بزورقها.
يقول العامري:
(ما أن وصل الزورق الى سلف الشيخ فيصل الخليفة شيخ عشيرة البو محمد حتى تجدد صراخ الأم، وتكررت جملة (أحميد خايب يمه)….. وتقول الرواية إنّ مجموعة من النسوة كن يطحن الحبوب.. وهن (شويشه- وابويشه- وأبريوه- وخضيره– وهويلة) من وصيفات (خادمات) بيت الشيخ.. فصرخن بنفس العبارة التي ظلت ملازمة لهن اثناء عملية الطحن)
يقول العامري إنّ صرخة الأم قد أوحت للوصيفات بمدخل أغنية تعبر عن الحزن، وأن الوصيفة (شويشة) كانت تمتلك صوتا عذبا ولها اسطوانات مسجلة، فأنشدت لحميد ما تيسّر لها من كلمات، ثم سجل الاغنية المطرب «احريب صنكور» لحساب شركة بيضافون، وغناها بعده أولاد سرحان وأولاد مهيون ولكل منطقة رواية.
الرواية الرابعة: أحميد – دندوشة!
هذه الرواية يرويها العامري ثامر أيضا ويقول إنّ (أحميد) كان صياد سمك شاباً يعمل في أرياف وأهوار ميسان، وكان يتمتع بصوت جميل يصدح به متى ماشاء ويعجب به كثيرون، لكن (دندوشة) التي كانت تسمعه على البعد دون أن تراه هامت به دون أن تعرف اسمه حتى سمعت صيادا يناديه فزاد هيامها حدَّ العشق.
وتشاء الظروف أن تغرق المنطقة التي تسكن فيها دندوشة بفيضان موسمي فيأمر والدها (وهو شيخها) أهله وسلفه أن يقوموا بالرحيل الى منطقة اخرى حتى ينتهي الفيضان، وتشاء الظروف أن يهاجر سلف ابي دندوشة الى السلف الذي يسكن فيه أحميد وأهله.
يقوم رئيس السلف المضيف بتنظيم احتفالية كبيرة للأسر التي هاجرت الى سلفه، وكانت الاحتفالية تتضمّن العشاء تتبعه أغاني مغني السلف ومغني المستضافين، وكانت النسوة يجلسن خلف الدائرة الرجاليّة التي شكلها حفل الرجال، وكانت دندوشة بينهن فسمعت (أحميد) يصدح وسط الرجل بصوته الشجي، وسمعت رجال القبيلة ونساءها يشجعونه ويبدون اعجابهم به، وشاهدته عن قرب فزاد شوقها، ولما انتهت الحفلة طلبت من خادماتها مناداته لتراه.
عند اللقاء الذي تمَّ بغتة أعجب المطرب الشاب بدندوشة وقرر خطبتها، وفاتح والده بالامر فرحّب بالفكرة وأسر لضيفه والد دندوشة بالامر وقال إنّهم سيقدمون اليه في مشية خطبة، لكن والد دندوشة رفض شاكرا مدعيا أنّ أعمام الفتاة يريدونها لأحد أولادهم.
تمضي حكاية دندوشة – أحميد فصولا مثل قصّة قيس وليلى حيث يدخل(ورد) خاطبا وهو رجل غريب، لكن والد الفتاة فضله على احميد لانه صياد سمك!
كان ذلك بعد أن عاد أهل دندوشة الى ارضهم، وبقي أحميد هائما وسط الهور مغنيا شاكيا للسماء سوء وتعنّت والد الفتاة.
يتمّ رحيل الفتاة مع زوجها الى حيث أهله، لكن الزوج يعرف من دندوشة حكايتها مع احميد فيقرر مساعدتها لأنّه لا يريد زوجة لاتهواه.
كان احميد ليلة العرس المفترضة لدندوشة وزوجها قد وقف في حفل العرس مغنيا وكان مهلهل الثياب ناحل الجسم وقال:
بنار الهجر يا مهجة دموعي
على أمصابي السمه تمطر دموعي
أنا السالن يا دندوشة دموعي
أعلى حنتكم بدت بأثنين أديه
وهنا انكشف السحر والساحر بعد أن صاحت دندوشة :
أنته أحميد لو موش أنته
وقرّر الزوج المفترض طلاقها واعانة أحميد ودندوشة على الزواج، وهكذا كان، وصارت حكايتهما الدرامية وأغاني أحميد الشاكية مثلا للركبان في مضايف وأسلاف ميسان والناصرية.