حسين هنداوي
يؤكد النظام الفلسفي الهيغلي على ان الدولة في عالم ما، لا يمكن ان تكون الا انعكاساً لطبيعة الدين او الروحانية السائدة فيه. لأن الدولة هي نتاج مباشر للدين: “عندما نقول بأن الدولة تتأسس على الدين وانها تمد جذورها فيه فاننا نقصد بذلك جوهرياً بأن الدولة تخرج من الدين وان كل دولة محددة هي نتاج حتمي لدين محدد”.
وانطلاقاً من هذا المفهوم، ولما كان الدين الاسلامي هو دين يشيع الرهبة والطاعة لدى المؤمن حيال الله وفق المنظور الهيغلي، فان الدولة التي تخرج من الدين الاسلامي لابد ان تكون دولة خوف وطاعة هي ايضاً. لكن هذا الخوف وتلك الطاعة الموجهة نحو الله في الدين، تتوجه نحو الحاكم في الحياة ضمن الدولة الاسلامية التي تبدو بدورها دولة استبدادية بشعة بالضرورة في نظره، دولة لا وجود فيها لأبسط شكل من اشكال الحرية وحيث الأفراد لا يمتلكون أية قيمة بالنسبة للحاكم الذي يتصرف كما يشاء وكما تتطلبه شهواته ونزواته وتقلباته.
صحيح ان هيغل يقر “بان الانسان حر بطبعه”، لكنه يضيف على الفور بأن الفرد في ظل الدولة الاستبدادية مرغم بالضرورة ان يتخلى عن كل شكل من اشكال الحرية، وأن الحرية الوحيدة المسموح بها في هذه الدولة هي حرية المستبد. يقول هيغل عن الدولة الشرقية التي يعتبرها جميعاً وبالضرورة دولاً استبدادية: “ان ما يهيمن في الشرق هو الاستبداد. فالانسان اما خائف ومتردد او يسيطر عبر اشاعة الخوف. فهو اذن اما سيد او عبد. وبكلمة ان الخوف هو الذي يحكم الشرق”. لكن الدولة الاسلامية تبدو بمثابة النموذج الاعلى للدولة الاستبدادية. وهذه الحالة من العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الدولة الاسلامية عموماً تتأتى بنظره كانعكاس لطبيعة العلاقة بين الله والمؤمن لا سيما وان الحاكم فيها يعتبر نفسه بمثابة “ظل الله على الارض” و”خليفة الله”.
وفي كتابه “دروس حول تاريخ الفلسفة” الذي يسعى الى تغطية كل تاريخ الفلسفة منذ سقراط الى ديكارت، وجد هيغل نفسه مضطراً الى تخصيص فصل صغير عن الفلسفة الاسلامية تحت عنوان “فلسفة العرب” فشهرة الفلاسفة العرب والمسلمين في الغرب لم تكن تسمح له باغفال تناولهم في مؤلف يزعم دراسة كل تاريخ الفلسفة.
وهنا ايضاً فان محتوى كل فلسفة خاصة يبدو لهيغل انعكاساً لمحتوى الدين الذي تنطلق منه هذه الفلسفة بالضرورة. ولما كانت الاديان الشرقية جميعاً تقوم على فكرة الفصل وليس الاتحاد بين الله والانسان، يرى هيغل: “ان الفلسفة الشرقية هي فلسفة دينية عموماً”، بما في ذلك الفلسفة الاسلامية التي يؤكد هيغل بانها “لا تتضمن أية عطاء اصيل” ، ثم يضيف: “ان دراسة الفلسفة العربية بشكل مفصل هي مسألة غير مفيدة وغير ضرورية”. واذا كان لابد من التحدث عنها فذلك برأيه لأسباب تاريخية بحتة اذ يقال هيغل: “اننا لا نتحدث عن الفلسفات العربية هنا إلا لأسباب تاريخية وخارجية”. اما السبب في كون هيغل يرفض اعتبار الفلسفة الاسلامية كجزء اساسي مهم من تاريخ الفلسفة فذلك لأن هذه الفلسفة لا تمثل برأيه مرحلة خاصة في تاريخ تطور الفلسفة. لان العرب كما يقول “لم يستطيعوا تطوير مفهوم الفلسفة، ولأن المسائل الاساسية التي اهتموا بها هي ما يلي: معرفة فيما اذا كان العالم أبدياً واثبات وحدانية الله”.
اما هذه الفائدة التاريخية التي يجدها هيغل في تناول الفلسفة العربية- الاسلامية في محاضراته حول تاريخ الفلسفة فهي بالتحديد لأن العرب هم الذين قادوا الغربيين الى اكتشاف المؤلفات الفلسفية الاغريقية وبشكل خاص مؤلفات ارسطو. ويعترف هيغل في هذا المجال بـ”ان المعرفة التي قدمها العرب حول ارسطو ومحافظتهم على النصوص الارسطية كانتا مصدراً مهماً للعالم الغربي في هذا المجال. لأن الغربيين ظلوا لفترة طويلة لا يعرفون شيئاً عن ارسطو الا من خلال الشراح العرب”.
ولتجريد العرب من أية ابداعات اصيلة في تطوير الفلسفة يركز هيغل في القسم الاعظم من الفصل الذي خصصه للفلسفة الاسلامية، على الدور الذي لعبه المسيحيون والسريان في الترجمة من الاغريقية الى العربية. اي انه يجرد الابداع الفلسفي العربي- الاسلامي حتى من فضله في ترجمة الفلسفة الاغريقية والاحتفاظ بها.
من جانب اخر وفي ما يتعلق بالجوهري لا يقوم هيغل في هذا الفصل سوى بتعداد اسماء الفلاسفة العرب والمسلمين كالكندي والفارابي وابن سينا والغزالي وابن رشد وابن طفيل وغيرهم، الذين يعتبرهم جميعاً مجرد شراح لارسطو وليس كفلاسفة فعليين.
وفي الواقع فأننا نلاحظ ان الاضطراب والتناقضات هي التي تسيطر على العرض الذي يقدمه هيغل في هذا الصدد.
هذا هو باختصار شديد موقف هيغل من الاسلام والعالم الاسلامي وحضارته. وعموماً فان الاستنتاج الكبير الذي تقدمه لنا دراسة منظور هيغل حول الاسلام هو ان هذا المنظور سطحي وتبسيطي ومتناقض للغاية. وهذه الامور تجد اصولها الجوهرية في منطلقات نظامه الفلسفية وانحيازه المسبق لثقافته الغربية- المسيحية. فانحيازه المطلق للغرب قاده الى التمسك بشكل قسري بفكرة ان الشرق لا يستطيع ان يبدي اي عطاء روحي اصيل او لعب دور يذكر باستثناء ذلك الخاص بـ”طفولة الوعي الانساني”، اما انحيازه للمسيحية ديانته، فقد قاده الى التناقض الخاص القائم على اعتبار كل ما يظهر بعد المسيحية في التاريخ الروحاني الانساني كظاهرة عديمة الاهمية وفارغة المحتوى. وفي هذه النقطة بالتحديد تكمن المشكلة الكبرى التي يثيرها الاسلام بوجه الفلسفة الهيغلية وبوجه جميع فلسفات التاريخ والدين الغربية التي لا تستطيع تجاهل الاسلام وحضارته من جهة ولا تستطيع الاعتراف له بدور كبير من جهة اخرى.
ولقد ترتب عن هذه المنطلقات القسرية، ان هيغل يجد نفسه غير قادر على اعطاء أي دور حضاري للاسلام، وبالتالي ذهب الى اختيار بعض الاطروحات التي تلائم منهجه المذكور بشكل انتقائي قسري هو الآخر.