هيغل والإسلام : 5

حسين هنداوي

<< شعب من الأبطال >>

المعضلة الأولى التي يطرحها الإسلام، كدين وكحضارة، على الفلسفة الهيغلية هو ظهور هذا الدين في الجزيرة العربية وبين العرب بالذات. فهذا الشعب الذي عرفه هيغل جيداً الى حد ما من خلال كتابات فولتير وغوته وفولني وغيرهم من كتاب ومفكري عصر التنوير والمؤرخين والرحالة، يبدو له كشعب مشتت متكون من عدد كبير من القبائل الصحراوية المتنقلة المتنازعة فيما بينها ومع جيرانها بشكل لا يسمح لهم بناء دولة متطورة ومجتمع مدني متقدم لأن حياتهم في الصحارى وحركة تنقلاتهم الدائمة تتناقض بشكل عميق مع قيام الدولة والمجتمع المدني. يقول هيغل عن العرب قبل الإسلام:

“ان هذه الجموع من القبائل الرحالة لا تستطيع أن تحقق تطوراً وتربية بشكل ذاتي أصيل، فهي لا تكتسب الحضارة إلا بعد استقرارها في السهول التي تحتلها وتستقر فيها وإلا بعد ان تفقد طبائعها الأولى. غير ان هجماتها على الحضارات المجاورة تؤدي بذاتها الى أحداث انقلابات في الشكل الخارجي للعالم”.
في القسم الأخير من هذا النص يبدو واضحاً ان هيغل يسعى هنا الى وضع اللبنات الأولى لتفسيره الهادف الى أخذ الفتوحات العربية الإسلامية كواحدة من الهجمات الكبرى التي قام بها شعب من الرحالة على الحضارات المجاورة. لكن الفتوحات العربية مع الإسلام ليست أول هجمة من هذا النوع فقد سبقتها وتلتها هجمات عربية عديدة. ففي كتابه “دروس حول فلسفة التاريخ” يقول هيغل: “ان بابل ونينوى كانتا تشعران بحاجة دائمة لوقاية أنفسهما من هجمات العرب الرحل عليهما لذلك كانتا تسعيان على الدوام الى تصفية حياتهم البدوية وجرهم الى الاستقرار في مناطق ثابتة عبر العمل في الزراعة والمهن والتجارة. وحتى في فترة لاحقة ظلت بغداد تعاني دورياً من عبث البدو”.
لكن هيغل لا يرى في العرب قبل الإسلام شعباً همجياً أو بدائياً. انما بالعكس. فهو يجد ان العرب، وما دامت الصحراء تقدم لهم اكتفاءهم الذاتي من الزاد والماء، هم شعب طيب الأخلاق نبيل ورقيق، لديه شعر جميل، ويحب الحرية ويعتز بنفسه وكرامته الى درجة قادت هيغل في فلسفة الجمال الى اعتبار العرب الجاهليين بمثابة “شعب من الأبطال”. هذه النظرة الهيغلية نجدها مبكرة جداً في كتابات الفيلسوف. ففي مؤلفاته المسماة بـ”كتابات الشباب” كتب ما يلي عن الكرم العربي: “عندما يشرب العربي قدح قهوة مع الغريب يشعر بانه يرتبط مع هذا الغريب بعهد صداقة. وهذا الفعل المشترك يربطه مع الغريب الى درجة ان العربي يحرص على ان يظهر أشد أنواع الوفاء وكل النجدة لذلك الغريب”.
ومهما يكن الأمر فان هذه الصورة ظلت في ذهن هيغل عن العرب، وهذا هو ما نجده واضحاً بشكل خاص في فلسفة الجمال حيث يقول هيغل عن المعلقات الجاهلية: “ان هذا الشعر هو الشعر الحقيقي اللائق بأشخاص ناجحين ومستقلين. شعر رغم كل الغرابة التي نجدها فيه يجعلنا نندهش بقدراتهم على اللعب بالصور والمقارنات وعلى التعبير عن روح إنسانية واقعية” ويضيف أيضاً: “ان هذا الشعر يتضمن نفحة تحمل الحياة”.
لكن كل هذه المشاعر الهيغلية لا تغير من الاستنتاجات الفلسفية التي سبق ذكرها والتي تنص على ان الفتوحات العربية الإسلامية هي شكل من أشكال الهجمات العسكرية، قام بها البدو على الحضارات المجاورة. بيد ان هذا التفسير يظل تبسيطاً جداً، سيما وان هيغل يقر نفسه بان الروحانية الإسلامية هي “الدرجة الأرقى في الروحانية الشرقية”. لحل هذه الصعوبة الكبيرة والتناقض الصارخ في منظوره سيلجأ هيغل الى بلورة مفهوم غريب يقول بان الإسلام هو “ثورة الروحانية الشرقية”، أي “ثورة” ضد انتقال رسالة الوعي التاريخي الى يد الغرب المسيحي. ان الإسلام بكلمة أخرى يصبح بمثابة ردة الى الوراء وردة عنيفة وسلبية انتقاماً من الوعي الشرقي الذي لم يعرف ان يواصل التطور الى الأمام.
لكن هذه الثورة العنيفة وهذه الردة السلبية هي ضرورة بحد ذاتها ضمن التطور التاريخي للوعي الإنساني في سيره نحو الحقيقة المطلقة مع الروحانية المسيحية الغربية، أي أنه كان لابد ان يجيء الإسلام ليدمر الأوثان ويهدم الدولة الفارسية المجوسية والدولة الرومانية الضعيفة في ايمانها بالمسيحية، لكي تخلق الأرضية المناسبة والشروط الضرورية الأخرى لانتصار الروحانية المسيحية عالمياً.
ولحل مشكلة ضرورة التطور على أساس سيرورة زمانية- تاريخية ولما كان ظهور الإسلام لاحقاً على ظهور المسيحية فان هيغل سيطور مبدأ ينص صراحة على ان المسيحية الفعلية والحقيقية لم تظهر الا مع لوثر والبروتستانتية وهكذا يزول التناقض التاريخي- الزماني المذكور من نظامه الفلسفي. أما الكاثوليكية والمسيحية الشرقية السابقتين على الإسلام وعلى البروتستانتية معاً، فانهما بنظر هيغل مسيحية سطحية او بالأحرى تمهيدية لأن الحقيقة المسيحية المطلقة ظلت مجهولة من قبل المسيحيين حتى مجيء لوثر.
وبهذا التفسير “الفلسفي” يضرب هيغل ثلاثة عصافير بحجر واحد فهو يجرد المسيحية الشرقية من علاقة عميقة مع الحقيقة المسيحية، ويدين الكاثوليكية بسطحية فهم هذه الحقيقة ويسلب الإسلام أية علاقة مع الحقيقة الالهية المطلقة. وبهذا يصفي حساب البروتستانتية مع كل الديانات الأخرى التي يمكن ان تتهمها بالهرطقة واللاشرعية. وبالطبع فان انحياز هيغل لديانته البروتستانتية هنا صريح ومفجع بشكل يضرب في الصميم تأكيداته السابقة حول “العلمية” في الفلسفة، مما يدعم الرأي السائد في بعض الأوساط الفلسفية الكاثوليكية والقائل بأن الفلسفة الهيغلية ما هي في الواقع سوى العقيدة الدينية اللوثرية مصاغة بلغة الفلسفة وان كل مزاعم هيغل حول العلمية والحيادية والبحث العميق غير قادرة على طمس هذه الحقيقة الكبيرة.