اللغة والسلطة

شوقي  عبد الامير

تتعدى ظاهرة تدهور اللغة العربيّة كثيـراً الحدود «الفنيّة» والتعبيّرية الخاصة بسلامة اللسان لانها تعكس بشكل جليّ صورة الشعوب التي تتكلم بها لكونها مرآة السيّادة والانتاج وبالتالي الشخصيّة الحضارية لكل شعب يتكلم بها .
تظهر سيادة الشعوب ليس فقط داخل حدود لغاتها إنما تتجاوز ذلك الى العلاقة مع لغات الشعوب المجاورة والعالم أجمع .
تتجلّى السيادة داخل حدود اللغات في قدرتها أن تفرض قواعدها وأصولها وقوانينها على أهلها بحيث يختفي أو يتلاشى اللّحنُ بها والخطأ وتُحتـرم قواعدُها وأصُولها وهي صورةُ سيادتها على الناطقين بها وهذا مانفتقدهُ في لغتنا اليوم في جميع الدول العربيّة..
هذا كما تبدو ملامح إختفاء السيادة في شيوع مصطلحات ومفردات يومية بالرغم من كونها متوفرة في لغة البلد لكن أهل ذاك البلد يفضلّون إستبدالها بلغة أخرى وهو أمر عوضاً عن أن يكون مرفوضاً شائناً يتحول الى مظهر “حضاري” و”حداثوي” و..الخ من الصفات التي تغطي على هذا التخلّي بحيث يأخذ شكلاً يمكن أن يكون مظهراً لـ «إستقالة»السيادة عبر اللغة .
يضاف الى كل هذا تتبلور ملامح السيادة داخل اللغة من خلال دفاعها عن منطقها وخصوصيتها اللفظيّة وطرائق تركيبها عندما تتناول أسماء ومفردات آتية من لغات أخرى ،فعلى سبيل المثال عندما كانت الحضارة العربيّة الاسلامية هي السائدة في العالم كانت اللغة العربية لاتقبل المفردات الاجنبيّة كما هي منطوقة في لغاتها حتى أسماء الأعلام للمدن والشخصيات الاجنبيّة فقد كان العرب يغيرون اسماء المدن والبلدان والملوك بطريقة تتلائم مع نطق ومنطق اللغة العربية وبهذا المعنى فهم «يحّرِفون» حتى اسماء العلم فيعطونها أسماء قريبةً من الأصل ولكن بايقاع ونطق عربي.. وعلى سبيل المثال عندما دخل العرب الى الاندلس كانت منطقة جنوب إسبانيا التي فتحوها تسمى “الفندال vandales” ولكنهم أطلقوا عليها اسماً أقرب الى العربيّة “الأندلس” وعندما دخلوا مدينة “توليدو Toledo” أسموها “طُليطلة» وكان ملكها اسمه «لودفيك» الذي سَمّوهُ «لذريق» وهكذا كانوا يفعلون مع كل المصطلحات والاسماء الإجنبيّة بحيث يعرّبونها ولاينطقونها كما هي في لغاتها الاصلية والامثلة كثيرة على ذلك، وحتى إمبراطور روما “سيزار” سّموه القيصر.
هذا مشهد من مشاهد سيادة اللغة الذي كان شائعاً لدى العرب يوم كانت لهم السيادة حضارياً أما اليوم فهم يدفعون ثمن الاندحار السيادي بشكل سلبي تماماً حيث تفرض على لغتهم مفردات ومنطق اللغات ذات السيادة .
وهكذا صِرنا نردد مصطلحاتٍ واسماءً من لغات أخرى ونُخضِعُ لغتنَا وقواعدنا ونطقنا لها ..
إنه أمر طبيعي كان لنا يوماً وهو اليوم علينا ..
علاقة اللُغة بالسيادة علاقة “جينيّة” أي أنها تتبلور منذ نشوء الحضارات التي تولد في أحضان اللغات ثم تكبر وتنمو اللغات داخل النتاج الحضاري بحيث تكون اللغة هي الصورة النموذجية لكل حضارة..
ليس غريباً إذن أن تتهاوى لغتنا اليوم لأننا على هامش الحضارة لسنا منتجين بل مستهلكين لسنا مصانع بل أسواقاً لسنا مبتكرين بل متدربين ، ولهذا فإن اللُغة العربية نفسها ، هذه اللُغة العملاقة التي عبرت العصور وحملت أعظم الأيات “القرآن” تندثر اليوم تحت سنابك غزاة العصر الحديث ..
كان فيلسوف التأريخ الالماني في القرن التاسع عشرهيدر Herder يقول:»عرفنا اليونان من الفلسفة والرومان من القانون والفرس من الفنون والعرب من اللُغة..»
هاهو إذن يضع اللُغة عند العرب كملمح وجودي مؤسس لهّويتهم وبهذا فأن إندثارها اليوم هو بداية النهاية لاندثار ليس السيادة وحسب بل وحتى الهّوية..
لم أكن أعلم وأنا أكتب هذه السطور أن حدثاً دبلوماسياً عالمياً سيدعو نفسه بين سطورها ..
إنها السيدة كارين كنايسل Karin Kneissl وزيرة خارجية النمسا الناطقة بالالمانية اختارت أن تلقي كلمة بلادها في الدورة الحالية للامم المتحدة باللغة العربيّة من بين اللغات الست الرسميّة (الانكليزية والفرنسية والاسبانية والعربية والروسية والصينية) لانها كما تقول: «لغة مهمة وجميلة وجزء من الحضارة العربية المهمة ولأن هناك في الشرق الأوسط أناساً يستمرون في الحياة رغم الظروف الصعبة .. وهذا سرُّ الحياة “ ثم تضيف وهي تستشهد ببرتولد برشت: «بعض الناس تعيش في الظلام والبعض الآخر في الضوء ونحن لا نرى الاّ من هم في الضوء..”
صدقتِ سيّدتي أنت إخترتِ أن تتحدثي بلغة النورالاّ إن أهلها يقبعون اليوم في الظلام ..
إنني انحني أمامك ..