وظيفة الشاعر هي عدم قول ما حدث فعلاً، ولكن قول ما يمكن أن يحدث

أرســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــطو

ما الفارق بين (الفن الشعري) و(الشعر)؟

ترجمة وتقديم : شاكر لعيبي

عندما تَرْجَمَ ابن رشد كتاب أرسطو (بويطيقا)، كما أسماه ابن النديم وغيره من القدامى، بعنوان (فن الشعر) فلعلّ ترجمة العنوان لم تكن ملائمة، حسب ظننا، إذ لم يكن لها بديل في تلك اللحظة، فأرسطو كتب عملاً عنوانه “عن البويطيقا” (Peri Poiêtikês) أي (حول الفن الشعري) أو بما يمكن ترجمته (عن الشعريات) وهذه الكلمة ليست كلمة (شعر) اليونانية (Poiesis بويزيز) مع أنها موصولة بها بالطبع، كما الوصل في العربية اليوم بين ( الشعرية – الشاعرية) و(الشعر)، مع اختلاف مهمّ في الدلالة. قَعَّدَ أرسطو لما نسميه اليوم بالشعرية والشعريات، ولم يكن يتكرّس للنوع الأدبيّ المعروف باسم الشعر أو صنعة الشعر، بل كتب خاصةً (عن) وانطلاقاً من مفهومات التراجيديا والملحمة والمحاكاة (ميميزي)، في المسرح والرسم وفن الشعر أيضاً. وعالج فيه العلاقة بين الشعريات والميتافيزيقيا، والشعريات والبلاغة (يُقال أحياناً الخطابة في العربية). بعبارة أخرى فإن الفن الشعريّ (أو بويطيقيا) هي مادة تعالج موضوع عموم (الإبداع الفنيّ) في الكلام (أو الإبداع اللفظيّ) والمسار الداخليّ للنصّ الأدبيّ.
انطلاقاً من أرسطو، شَرَعَ الرومان باستخدام المصطلح اللاتينيّ (ars poetica) أو (الفن الشعري، حرفياً) وهم يقصدون به المعالجات المتعلقة بعموم الأدب، وخاصة التأليف الشعري، وبعبارة أدقّ طبيعة الشعر، بمعنى الطبيعة الداخلية أو الجوهرية بعيداً عن أو بالتوازي مع الأشكال والموازين والقوافي التي بقيت رغم ذلك تشكّل عناصر أساسية في لحظات التأريخ الرومانيّ ثم اللاتينيّ المتعاقبة. هذا المصطلح محاولة لنقل روح وجوهر عنوان أرسطو في الحقيقة. وهذا المصطلح نفسه أسْتُخدم دائماً في اللغات اللاتينية كالفرنسية والإيطالية والإسبانية، ففي الفرنسية يقال (art poétique = الفن الشعري وليس l’art de la poésie أي فن صنعة الشعر مثلاً) ولدينا العديد من المعالجات الفرنسية تحت هذا العنوان، منذ القرن الخامس عشر الميلاديّ.
الأنكلوسكسونيون البريطانيون، ظلوا متحفّظين، كما نرى، من المصطلح الرومانيّ (الأرسطيّ في نهاية المطاف)، واستخدموا له غالباً مفردة وحيدة هي (poetics) أي الشعريات أو الشاعريات، ذلك أن ترجمة المصطلح الرومانيّ حرفياً بالعبارة الإنكليزية (Poetic art) قد تعني في منطق الإنكليزية (الفن الشاعريّ)، فهي صفة للفن وليس وصفاً للشعر. وإذا ما كتب أحدهم معالجة أو قصيدة عن (الفن الشعريّ) وفق منطق الأقدمين، فسيكتفي بوضع المصطلح الرومانيّ في نصه الأصليّ دون ترجمته إلى الإنكليزية، كما في قصيدة الأمريكي أرشيبالد مكليش المعنونة (Ars Poetica) المكتفية بالمصطلح اللاتينـيّ المشار إليه. أضفْ لذلك أن الصفة الإنكليزية (شعري أو شاعري poetical) لها المعنى نفسه للصفة (poetic).
لكن مفهوم الشعريات الحديث (بالفرنسية La poétique) هذا هو من اشتغالات واشتقاق بول كلوديل في ثلاثينات القرن الماضي، وكان أستاذاً في الكوليج دو فرانس، ومنه انطلق على كل لسان، وبمقترح كلوديل فأن تعريف الشعر نفسه سيختلف من حينها، ولن يقوم الشعر على الوزن أو القافية فحسب كما يريد الكلاسيكيون الأوروبيون والعرب. ومن الشعريات هذه بالضبط، طوَّر الفيلسوف والفنان الفرنسيّ رينيه باسرون René Passeron المفهوم، معتبراً الشعريات بمثابة دراسة لعمليات processus الإبداع. واستعاد كتابة مفردة الشعريات وفق طريقة كتابتها القديمة: (poïétique) التـي تترجم في تونس بـ (الإنشائية)، المفردة مقطوعة الصلة بأصول المفهوم.
لكن الناطقيـن بالأنكليزية، خاصة الأمريكان يستخدمون دون تحفّظ كبير، كما نرى، عبارة (Poetic Art) رديفاً للفن الشعريّ بالمعنى الرومانيّ اللاتينيّ – الأرسطيّ، كما في الدراسة المعنونة “حول قوانين الفن الشعري” (On the Laws of the Poetic Art) للشاعر والباحث الأمريكي أنطوني هتشت (Anthony Hecht)، وكما في كتاب “الفن الشعريّ عند أودن” (Poetic Art of W.H. Auden) لمؤلفه جون بلير (John G. Blair) الصادر لأول مرة عام 1965 عن جامعة برنستون. أحد مؤلفات الكاتب الأنكلوسكسونيّ ألدهيلم (Aldhelm)، من القرن الثامن الميلاديّ، نُقلت إلى الإنكليزية الحديثة مؤخراً وصدرت عن جامعة كامبردج تحت عنوان “الفن الشعري لدى ألدهيلم” (The Poetic Art of Aldhelm) كأنَّ هناك رضا بالمصطلح اللاتينيّ مع أن، ورغم أن المؤلف يعالج في الحقيقة (الفن الوزني). لا أحسب أن تلك العناوين الإنكليزية كلها ترمي إلى التعبير عن (الفن الشاعري) العامة الغائمة، وتتجاوز المصطلح الرومانيّ المحدّد. لا مقام لذلك.
في نهاية المطاف، الفارق بين (الفنّ الشعري Ars Poetica) و(الشعر [أو فن الشعر] poetry) يقبع في أن الأول يعالج الشعريات وقد يعرج على الثاني: النوع الأدبيّ، وفق أفقه. بينما الثاني يعالج نوعاً أدبياً مخصوصاً لعله مشحون بالشعريات أو يتوجّب عليه.

حول فنّ الشعر

ملاحظة: جميع الاستشهادات التالية مستلّة من (الفن الشعري) لأرسطو، سوى ما يُشار إليه، وكلها من ترجمتنا الخاصة عن الفرنسية دون العودة للترجمات العربية المعروفة.

°°°°°°°°°°°
“وظيفة الشاعر هي عدم قول ما حدث فعلاً، ولكن قول ما يمكن أن يحدث، وفقاً للمُحتَمل أو الضروريّ”.
في ترجمات فرنسية أخرى بدل (الضروري) ثمة (المتنوع).
°°°°°°°°°
“الملحمة تسير جنباً إلى جنب مع المأساة بقدر ما هي محاكاة، بمساعدة الوزن [الشعريّ] والبشر من ذوي القيمة الأخلاقية العالية، ولكنها تختلف عنها طالما هي تستخدم وزناً مُوحَّداً وبأنها سَرْدٌ”.
°°°°°°°°°°
“ثمة الفرق نفسه الذي يميّز المأساة عن الكوميديا: فالأخيرة تودّ تمثيل البشر الأقلّ شأناً، وتلك [المأساة] تودّ تمثيلهم متفوّقين على البشر الحقيقيين”.
°°°°°°°°°°°°°.
“الشعر أكثر فلسفيةً وأعظم أهميةً من التأريخ”.
°°°°°°°°°°°
“أيٌّ من الاثنين هو الأفضل، المحاكاة الملحمية أم المأساوية؟ هذا سؤال وجيه”.
°°°°°°°°°°°°°
“الأعجوبيّ فاتن. أقدُّمُه دليلاً بأن الجميع يضيفه دوماً عندما يُقدِّم سَرْداً، لإنتاج المتعة”.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
“ميّـزة التعبير اللفظيّ هو أن يكون واضحاً دون أن يكون عادياً”.
عادياً أو مبتذلاً.
°°°°°°°°°°°°°°°°°
“يتوجّب تفضيل المستحيل المُحتَمل على المُمكِن غير القابل للتصديق…”.
كتاب السياسة.
°°°°°°°°°°°°°°
“الخطاب هو رنّة منبعثة من الصوت المُزوَّد بالدلالة حيث ينفرد كل جزء منفصل من أجزاء [الخطاب] الأخرى بأنه مُحمَّل بالدلالة بصفته كلمة بسيطة فحسب وليس توكيداً لشيءٍ ما”.
من كتاب الأورغانون L’Organon. والأورغانون هي مجموعة كتب أرسطو في المنطق. ثمة فارق في الفرنسية بين رنّة، نبرة (son) وصوت (voix). الأولى، رنة، هي كلّ إحساس سمعيّ يستحثّه اهتزاز ما، بينما الثاني فهو مجموع الرنّات التي تستحثّها الحبال الصوتية.
°°°°°°°°°°°°°°
“كل شيء من ذكائنا يمرّ عبر الحواسّ”.
الميتافيزيقيا.
°°°°°°°°°°°°°
“أنْ يُمارِس المرء موهبته بحُريّةٍ، هي السعادة الحقيقية”.
كتاب السياسة.
°°°°°°°°°°°°°
“الرنّات المنبعثة من الصوت هي رموزٌ لحالةٍ روحيةٍ، والكلمات المكتوبة هي رموزٌ لكلماتٍ منبعثةٍ من الصوت”.
من كتاب L’Organon.
°°°°°°°°°°°
“الفن بالأحرى هو فكرة العمل، فكرة موجودة دون مادة [محسوسة]”.
°°°°°°°°°°°°
“يتطوّر العلمُ والفنُّ كلاهما بالخبرة”.
ميتافيزيقيا.
°°°°°°°°°°°°°°
الآداب بمثابة زخرفة في [وقت] الإزدهار ومواساة أثناء التعاسة”.
°°°°°°°°°°°°
“لا توجد عبقرية دون نأمةِ جنونٍ”.
كتاب السياسة.
°°°°°°°°°°°
“لم تخلق الطبيعة الأشياء عبثاً”
كتاب السياسة.
°°°°°°°°°°°
“المأساة هي محاكاة (mimèsis) لفعلٍ ذي ميّزة عالية وكاملة، وببعض الاتساع، بلغة عالية مُتَبَّلة بأصناف خاصة وفقاً للأجزاء المختلفة. محاكاة تتمّ بواسطة الشخصيات أثناء الفعل وليس عبر السرد، وتقوم، مثيرةً الشفقة والخوف، [بعملية] التطهير [catharsis] المُناسِبة لتلك المشاعر”.
مفهوم التطهير أو التنفيس هو أمر جوهريّ في شعريات أرسطو. أما متبَّلة، من التوابل، فهو يقصد مزخرفة أو مزيّنة أو مُجَّملة أو مُنمَّقة. ونحن نفضل لهذا التعبير تعبيرنا العربي (المحسّنات اللفظية).