هل ترسو أضرحة القصب على مرافئ اليونسكو؟

وليد الزيدي

شــواخص
ومدوّنات
رافــدينيّة

إذا ما أردنا ترتيب ثقافتنا، حقيقة علينا أن ننطلق من وعينا بالبحث عن مساحة الفكر الذي يعيد إلينا ثيمة ما حدث في العراق، من نماذج إنسانية لتجارب أسهمت في إذكاء روح التطلّع البشري بوعي متعمّق وفكر ثاقب وعقل متنوّر. وما شيّد في بلدنا، أبنية شاخصة وشواهد حاضرة وآثار قائمة، لكن ليس هذا فحسب، بل إن تاريخ الإنسان في إرجاء المعمورة بقي إلى الآن متحيّرا ليس في طريقة البناء المادي لتلك الشواخص، إنما بطريقة التعبير عن الوعي والفكر لدى سكان العراق قديما من خلال تلك الأبنية التي كانت وما تزال محط إعجاب ونزهة لكل قارئ ودارس وباحث وسائح. وبالعودة إلى منطلقات الحضارة الإنسانية نرى من المفيد أن نمر على التعريف الأكاديمي لمفهوم الحضارة فنجدها (نتاج تفاعل الإنسان مع البيئة)، وهو ما يعزز فكرة «ارنولد توينبي» الذي ذهب بها إلى قانون (التحدي والاستجابة). ترى من ألهم تويبني تلك الفكرة سوى العراقييـن وبعدهم المصريون والإغريق والرومان، القدماء، فالعراقيون أول من استجاب لتحديات البيئة واستثمروها أفضل استثمار، بل طوّعوا طبيعتها للبناء وللنماء، واستهل السومريون جنوب العراق استجابتهم تلك مما موجود من عناصر البيئة التي احيوا فيها، لاسيما مناطق البطائح (الاهوار)، وما لاشك فيه فان الحاجة للقوت دفعت العراقي إلى الزراعة، ثم ظهور القرى وتغيير أسلوب حياته من التنقل إلى الاستقرار، والسكن بجانب الحقل، وتكوين تجمعات صغيرة أشبه بـ «قرى منظمة»، استغل نبات القصب الطبيعي في تشييدها على حواف الأهوار وضفاف الأنهار، فأوجد تشريعات ونظم إدارية خاصة بها، فكانت غاية في الرقي والنماء، وأكسبها قدسية خاصة حيث كان السومريون يقدّسونها حتى إنّ إلهة الخصب لديهم «عشتار» أو «أنانا» كان يعبدها الاكديون والبابليون، وتعني «سيدة السماء»عرفها الإغريق باسم «افروديت» والرومان باسم «فينوس»، وكانت عشتار إلهة الأم مصدر الخصب والعطاء والجنس. وفي القسم الرسوبي فإنّ طابع حضارة العراقيين مشتقٌّ من بيئة مائية ذات قصب وأحراش وأثل وطمي وغرين، وأصبح واضحا اثر البيئة في وادي الرافدين وتأثّر بها سكان الأقاليم المجاورة، ويؤيّد ذلك المستشرق فرانكوت ويقول (ما زال سكان مستنقعات إيران يعيشون على شواطئ بحيرة نهر الكارون، وهم مثل سكان مستنقعات العراق يبنون أكواخا ومراكب من القصب) وقد كانوا يستخدمون رؤوسه المدبّبة لصيد السمك، ما عزز النمو الإحيائي والتطور البيئي في الاهوار واتساع رقعة نبات القصب والبردي، وبدورها جعلت تلك المناطق بيئة مناسبة لتكاثر الطيور والإحياء المائية منذ آلاف السنين. الضرورة التاريخية تقودنا إلى حتمية إحياء تلك المناطق والعناية بكامل عناصرها الطبيعية ومنها «القصب» الذي كان لآلاف السنين أضرحة ذاع صيتها أرجاء المعمورة، وذكرت آثارها إلى يومنا هذا، وحينما نتناول الوعي التام في موضوع تاريخ حضارتنا، إنما نؤكد بداية المعرفة المكتسبة عبر أصولها، وليس في متون الكتب والدوريات ومصادر الثقافة والمعرفة المتيسرة كمدونات، بل الوعي كوسيلة تصل الإنسان بطبيعة البيئة التي يعيش فيها، فالشخصية العراقية خاطبت الواقع عبر قرون طوال وجسّدت محاكاته، بحيث برز تناغم غاية في الرقي بين ما هو قائم على الأرض وما هو مدوّن في متون المصادر والمراجع، وترانا في هذا الموضع نؤيّد مطالبة وزارة الثقافة أثناء زيارة وفد متخصص منها مناطق اهوار ذي قار بضرورة ترشيح بيوت القصب فيها الى لائحة اليونسكو لتسجيلها في قائمة التراث العالمي، نظرا لطريقة بنائها وصنعها، وتدوينها بشكل مفصل من بيئتها التي اختصت بها، فضلا عن توثيق الطقوس والتقاليد والممارسات المتوارثة المرتبطة بالفنون الحرفية التقليدية لتشييدها، بهدف ارشفتها كمدونات في القائمة الدولية للتراث. وقال البروفيسور جواد مطر الموسوي، أستاذ الدراسات العليا / كلية الآداب/ جامعة بغداد/ المتخصص في التاريخ خلال حديثه لنا: إحالة ملف بيوت القصب إلى منظمة اليونسكو يأتي في صالح الآثار العراقية وينعكس ايجابيا على سمعة العراق الثقافية حيث انطلقت الحضارة من ارض سومر ومناطق اهوار جنوب العراق فجزئية (الأرض والماء والقصب) فرضت على السومريين أن يبنوا بيوتهم من نبات القصب مستفيدين من البيئة وهم بطبيعتهم أهل حضارة فكروا في التطور وسعوا إلى التمدّن ورفعوا مستوى حياتهم واستغلوا البيئة في كل شيء. دلتا الرافدين وما فيها من طين غريني ذي نوعية جيدة أعطاهم عنصرا مساعدا للكتابة على ألواحه بحيث استغلوا الطبيعة أفضل استغلال حتى إن وجود الاهوار شرق وجنوب ذي قار جعل السفن القادمة من الخليج ترسو على ميناء مدينة أور حاليا ناحية (المكيّر) بتشديد الياء، وبيوت القصب عمقها يمتدُّ لستة آلاف سنة، وربما أكثر وهي البدايات والمحاولات البشرية الأولى للبناء. وكنت قد طرحت موضوع ضمّ بيوت القصب إلى اليونسكو عام 2013 حيث ألقيت محاضرة في أمستردام عاصمة هولندا خلال مؤتمر (أهوار العراق) كنت حينها رئيس الدائرة الثقافية العراقية في هولندا، وطلبت من الآثاريين العالميين التوجّه إلى مناطق الأهوار وضمّها للتراث العالمي. وأضاف الموسوي وهو رئيس اللجنة العلمية في المجمع العلمي العراقي: أنّ التواصل التاريخي بين الأمس واليوم له معطيات آثاريّة كثيرة، فلدينا رسوم عديدة لما يسمّى بالديوان (بيت القصب) أو ما يسمّى حاليا بـ «المضيف» في قسم السومريات في متاحفنا والمتاحف العالمية، وبعض الألفاظ السومرية دخلت في عامية أهل الاهوار إلى اليوم، مثل شنشول أي(سنسول) بالسومرية (وهي العمود الفقري)، وفي منطقة الخصيب في البصرة المرأة تسمّي كرة الطين التـي تبني بها تنور الخبز (الطوب) وهي حفنة الطين لعمل تنور، إعداد الخبز البيتي سومريّة أصلها كلمة (توبلت) وهي قطعة طين طري مدوّرة كانت تستخدم للكتابة المسمارية، وكلمة دلول التي تقال من قبل الأم للطفل في مهده حاليا أصلها سومري و (لول) هو الإله الحافظ للأطفال عند الشعب السومري، وسكان الاهوار وغيرهم إلى الآن يضعون في واجهة بيوتهم علامة (سبع عيون) لونها ازرق لطرد الشر والحسد، أصلها سومري أيضا، وغيرها كثير في بحوث عميقة، إذن هذا التواصل يجعلنا نؤيّد فكرة ضمّ بيوت القصب للائحة التراث العالمي.