من آثار التديّن الشكلى

عبد الجبار الرفاعي

يعمل الاستغراقُ في التديّنِ الشكلي، والتشديدُ على صورة الله المخيفة، ونسيانُ بناءِ الروح، وإهمالُ تربيةِ الضمير الأخلاقي، على تغذيةِ ونموِّ الجذورِ العميقة للازدواجية والنفاق السلوكي الذي يفرض على كثيرين ارتداءَ أقنعةٍ تختبئ خلفَها الشخصية، وظهورِ بعض الأمراض النفسية التي تتخذ من التديّن غطاء.
يتغذّى التديّن الشكلي من رسم صورة الله المرعبة المفزعة التي لا تذكر اللهَ بوصفه الرحمنَ الرحيم الذي «كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» ، ورحمتُه «وَسِعَتْ كلَّ شيء» ، والذي سبقت رحمتُه غضبَه. ولا ترى اللهَ إلا بصورة مُعاقِبٍ عنيفٍ بالغِ القسوة. أعرف بعضَ المتدينين الذين تنتابهم حالاتُ هلوسة واضطراب وهلع من الصور المفزعة التي ترسمها قصصُ عذاب القبر والمشاهدُ المهولة للعالَم الآخر وحكاياتُ بعض رجال الدين والوعاظ التي لا تنشد سوى إثارة الذعر في قلوبهم، من خلال التشديد على ما يمتلئ به القبرُ من عفاريت وثعابين وعقارب ونيران، فضلا عن الصور المفزعة للحساب والقيامة وأهوالها. وكأن اللهَ لم يخلق الإنسانَ إلا ليتلذذ بتعذيبه.
من آثار التديّنُ الشكلي انه قد يتحول إلى غطاءٍ لبعض الأمراض النفسية التي تتخذ من هذا النوع من التديّن قناعاً لها. ويمكن تشخيص سلوكيات مصابين بأمراض نفسية يتخذون من التديّن العنيف والمتشدّد والمتنطّع والمُغالي أقنعةً يتلفعون بها، وتظهر تعبيراتُ هذه الأمراض النفسية بأشكال متنوّعة، فنجدها أحياناً في اللغة وأساليب التعبير والصوت الذي قد يتمثّل في نغمة تخدش السمع، أو نراها على شكل تعبيراتٍ في الوجه تثير القرف، أو حركاتٍ منفّرة في لغة الجسد، أو أنماطاً عنيفةً في التعامل مع الآخر. وربما يكون الإنسانُ مصاباً بشيزوفرينيا فيظهر ذلك المرضُ في نمط تديّنه، ويصير التديّنُ غطاءً لسلوكه العدواني، وربما يكون الشخصُ ساديّاً فيتلذّذ بذبح البشر، وربما يكون مازوشيا فيتلذّذ بتعذيب جسده بطقوسٍ تعنّف الجسد… وهكذا.
كما تنحرف الطقوسُ في التديّنِ الشكلي عن مقاصدها الروحية والأخلاقية. حتى الصلاة قد تتحول أحياناً إلى غاية بذاتها، وربما تصير الطقوسُ وثناً. توثينُ الصلاة مثلاً يصاب به البعض، وتظهر أعراضُه على شكل اضطراب وضوضاء وهوس وقت الصلاة. وأحيانا يصبح الغرقُ في التديّن الطقوسي ضرباً من التعبير عن شغفٍ بسلطةٍ مُفتقَدة. عندها يجري توظيفُ الطقس كقناعٍ لتكريسِ سطوة الشخص على من حوله، بمعنى أن مثلَ هؤلاء ينشدون سلطةً دنيوية، أكثر مما ينشدون إثراءَ حياة روحية وأخلاقية أصيلة. لذلك تتلمّس عنفاً رمزياً ينبعث من أجسادِ مثلِ هؤلاء المهووسين بالطقوسِ ولغتِهم وطرائقِ تعاملهم مع الناس، فترى بعضَهم يعيشون حالةَ انفعال وتوتر شديدين، وربما يتفجّر مخزونُ الكبت المتراكم لديهم على شكلِ عنفٍ طقوسي، ولا تخلو ممارستُهم الطقسَ من تكلّفٍ وتعبيراتٍ تشي بالشغف بسلطةٍ مُشتهاة، وكأنهم لا يفتؤون عن تنبيه الآخَر بسطوتهم وتفوقهم عليه، اثر إشعاره بتفوّق مقامهم الروحي.
ويتغذّى التديّنُ الشكلي من العائلة والمدرسة والعشيرة والمجتمع والسلطة السياسية، كلُّ هذه المؤسّسات تتولى تدجينَ طبيعتنا البشرية، وتعمل على تنميطنا، فتبثّ الرعبَ ببراعةٍ في قلوبنا، وتسقي عقولَنا ومخيلتَنا أوهاماً خادعة، حتى تودعها في صندوقٍ مقفل.
الخداعُ الذي نتغذّى به يتضخّم ليضفي على أذهاننا قشرةً واهيةً، تشعرنا بتوهم معرفة كلّ شئ، وأننا على صواب دائما، وترسخ لدينا توهمَ القوة والإنجاز، لذلك لا نجرؤ على أن نعبّرَ عن مشاعرنا العميقة بالعجز وعدم القدرة، خشيةَ الطرد من مجتمعنا، ولئلا نفقدَ تلك الهالةَ الزائفةَ التي خلعوها على شخصياتنِا وصدّقناها.
ويغذّي التديّنُ الشكلي الازدواجيةَ والنفاقَ السلوكي ويتغذّى منهما. وكذلك يغذّي التديّنُ الشكلي تقاليدَ التربية والتنشئة المجتمعية التقليدية ويتغذّى منهما. فهذه التقاليدُ أكثرها ليست واقعيةً، لأنها لا تكشف مكامنَ ضعف الطبيعية للإنسان، ولا تكترث بهشاشةِ الكائن البشري وعجزِه الطبيعي، وتشدّد على الدوام على إضفاءِ قوّة وهمية على هذا الشخص، والإعلاءِ منه، ومن تفرّدِه الاستثنائي بكلِّ شيء، وتفوّقِه على كلِّ شخص سواه.
وتبدأ هذه الأساليب من مرحلة الطفولة، فمن الأخطاء التربوية الخطيرة، التي يرتكبها أكثرُ الآباء والأمهات، وعادة ما يدفع الأطفالُ فاتورتها مع تقدم عمرهم، هي ترسيخُ قناعات زائفة عند الناشئة بأنهم أكبرُ من مرحلتهم العمرية، والعملُ على ترويضهم وتدجينهم باستمرار على أن سلوكَ جيلهم هو عبثٌ وطيشُ صبيةٍ صغار، لا يليق بعقلهم ومكانتهم وشخصيتهم، ويجد ذلك تعبيرَه بوضوح في حرمانِهم من اللعب، ومنعِهم من العبث البرئ في طفولتهم مع أقرانهم الذي يتكفّل ببناءِ ملكةِ التفكير وانبثاقِ قدرات الإبداع والابتكار والمخيلة في أذهانهم.
لا تنشد التربيةُ والتعليم والتنشئة المجتمعية التقليدية في بلادنا تعليمَ التفكير، ولا تكفل الحقَّ في الخطأ، والحقَّ في الاختلاف، بل تهتمّ بتجذيرِ الانقياد والإذعان وتكريسِ نفسية العبيد، من خلال تنميطِ شخصية التلميذ، وإنتاجِ نسخ بشرية متماثلة، تفتقد ملامحَها الشخصية، وتكون عاجزةً عن التفكير النقدي الخلّاق.
ويغذّي التديّنُ الشكلي الأنساقَ العشائرية الراسخة في مجتمعنا، واستبدادَ السلطة، وروحَ الانقياد والإذعان ونفسيةَ العبيد، ويتغذّى منها. الاستبدادُ من أخطر منابع التديّن الشكلي، فكلّ استبداد ينشد التطابقَ وإنتاجَ نسخٍ متماثلة للكائن البشري، لأنه لا يتمكن من إنجاز ما يرمي إليه إلا بمحو الذات.
إن كلَّ من يريد أن يكرّره الآخرُ لا يفهم الذاتَ البشرية وطبيعتَها المتفرّدة التي يتعذّر محوُها. الفرديةُ هي الهويةُ الوجودية للكائن البشري، فكلُّ كائن بشري لا يتطابق كلّياً إلّا مع ذاته. ولأن الذاتَ يتعذّر محوُها تماماً، لذلك تفضي أساليبُ التربية هذه إلى الإصابة بالازدواجية والنفاق الاجتماعي. من هنا تتعدّد أقنعةُ بعض البشر بعدد المواقف والحالات والأشخاص الذين يخاطبونهم. ويلبث الشخصُ من هؤلاء كلّ حياته منفياً خارج ذاته، كلَّ مرة يعيش حياةً شخصيةً أخرى مستعارة. وكلُّ حياة بشخصية مستعارة نمطُ حياةٍ ينفي الحياة. فتجد مثلاً بعضَ الأصدقاء والأقرباء يبدي كلٌّ منهم، لحظةَ يجتمعون، ماهو آسرٌ من الكلمات، ودافئٌ من العبارات، غير أنهم حين يفترقون يأكل بعضَهم بعضاً. ولو علم كلُّ شخص منهم بحجم الأحكام السلبية والقدْح والهجاء اللاذع الذي يسلقه به الأصدقاءُ والأقرباءُ في غيابه لتمزّقت معظمُ الصداقات، وتقطّع كثيرٌ من الأرحام، ولن يحتفظ شخصٌ إلاّ بعدد قليل جداً بل ربما نادر من الصلات بمن هم أصدقاء وأقرباء.
ومن آثار التدين الشكلي ان بعضَ الأشخاص يمارس مراوغة مبتذلة، فهو إن أرادَ أن يطلبَ شيئاً، قد يتحدّث مدة أربع ساعات أو أكثر بكلِّ شيء، لكنه لا يذكر الشيءَ الذي يريد، بل قد يعرب عن استغنائِه عن ذلك الشيء المطلوب، وعدمِ احتياجه له، وأحياناً يتكلم بكلمات تؤشر إلى أن موقفَه على الضدّ مما جاء يطلبه، وربما يمعن بإظهار زهد زائف بكلّ شيء، إلى أن يصيبَ المستمعَ غثيانٌ من اللفّ والدوران والاختباءِ خلفَ الكلمات، وربما يضطرّ المستمعُ الشجاعُ الصادقُ أخيراً لتخليص نفسِه والمتحدّث، فيخبرَه بما جاء يطلبه بجملة واحدة، كي يريحَه ويستريح.