الإرادة و الاختبار

ناجح المعموري

اثار المفكر «بول ريكور» اراء مهمة وجديدة، عن العلاقة بين الارادة والامبريقي. لان للارادة حسب مفهوم ريكور هي الوسيلة التي يعتمد عليها للنفاد الى الامبريقي مع الاعتماد على الاسطوري المحسوس وهنا يعطي بول ريكور عبـر اهتماماته الميثولوجية العميقة والمدهشة حضوراً مهماً او وسيطاً لايضاح لحظات التحول البطيء والمتدرج. وتلعب الاسطورة دوراً جوهرياً اعتماداً على الرموز من اجل الحديث عن الرغبات والاهواء. ويتساءل ريكور قائلاً: كيف ندخل هذا الاسطوري في التفكير الفلسفي؟ ويكرر تساؤله:
كيف نستعيد الخطاب الفلسفي بعد ان وضعت الاسطورة حداً له؟
اخضع «بول ريكور» لإرادة كمبدأ الامبريقي الاختباري والتجريبي وكذلك الاسطوري. اضاف ريكور الفكرة الاساسية لأسطورية الارادة السيئة تتوسع لتشمل ابعاد الرمزية للبشر التي توجد داخلها الرموز الاكثر مدعاة للتأمل ــ مثل المادة، الجسد، الخطيئة الاصلية والتي تحيل الى رموز الاسطوري ــ مثل الصراع بين قوى الظلام وقوى الكاوس «العماء والفوضى» تعني النفس الى جسد غريب، ازاغة الانسان من قبل ربوبية خصمه، سقوط ادم، واحالة هذه الى رموز اولية عن الدنس، الخطيئة والذنب.
ان تأويل هذه الرموز هو الذي يهيئ لجعل الاساطير تتصل بالمعرفة التي يكونها الانسان عن نفسه، كذلك فان رمزية البشر تبدأ بتقريب الاساطير من الخطاب الفلسفي. فرمزية البشر هذه تحتل مشاكل اللغة. بول ريكور / فلسفة الارادة / ص16//
الاعتـراف الذي عرفته الديانة المسيحية بوقت مبكر محاولة ثقافية جريئة وشجاعة لإنقاذ الكائن من شروره ومزاولات للخطيئة والدنس، التي طرد بسببها ادم وحواء. والاعتراف لغة كاشفة عن قوة الانا / الذات والمرونة التي تتمتع بها وتزيح عنها الاوهام واللغزيات. التي تصير في احيان عديدة كما قال ريكور فرصة لوعي الذات التي لا يمكن التعبير عنها الا من خلال اللغز، ويطلب بصيغة اساسية وليس عرضية تأويلاً كما قال «ريكور» وعودة الى الاصل الميثولوجي لموضوعة الخطيئة والدنس ذات الاصل السومري والذي حازته التوراة / العهد القديم وتشارك الافعى / في ابتداء اسطورة الاغواء وما لعبه الجسد في التحضير للمجاورة بين آدم وحواء وطاقة المحفزات الشيطان / الافعى على انضاج الغواية ولاقتناع بالذهاب نحو لحظة لاكتشاف الرجل ، ولغزية الرجل المتعرف عليها من قبل حواء يلاحظ بأن رمزية الخطيئة والدنس هي ذات صفة رمزية تمثلها الاسطوري الذي قدمته الارادة والارادة كما قال ريكور.
وما حصل في الفردوس من تعرف واكتشاف تبادلي للجسد بما اختزنه وتمظهر عليه، وظل محافظاً عليه حتى استحال محو اثارة المحفوظة بالذاكرة، وهذا الفعل الخطيئة التي هي كما اعتقد اهم قرار اتخذه الاثنان هو التعرف وحيازة الاخر التبادلي، هذا لم يكن فعلاً شريَاً، بل تعبيراً عن الارادة وحلمها الآدمي الذي سنه الاثنان معاً، لذا انا استعين بمقولة شهيرة لبول ريكور وهي ان الشر لا يفهم من خلال الحرية. ولا يمكن التعامل مع وقائع الشرور الكثيرة بوصفها ذات بعد انساني، لان القناعة بهذا الرأي تنكر لحضور العقل الخاص بالفرد او العقل الجمعي حسب تعبير دور كهايم.
وكما قال «بول ريكور» ( فمن الممكن جداً بالفعل، ان لا يكون الانسان الاصل الجذري للشر ) ولم ينكر بول ريكور ارادة الحقيقة مثلما اعترف بوجود ارادة للشر متعاملاً هكذا عبر قناعته بمصطلح كانط عن «الشر الجذري».
( لكن عظمة هذه الرؤية الاخلاقية لا تكون كاملة الا اذا ادركنا بالمقابل الفائدة منها بالنسبة لتعقل الحرية نفسها، حرية تأخذ الشر على عاتقها، انها حرية تدخل الى فهم نفسها مثقلة بالمعنى انفرادياً.
وقبل ان ندع غنى التفكر يظهر، مساوقاً للسابق / بول ريكور / فلسفة الارادة ، ص21//
معروف بأن المفكر شوبنهور هو الذي اطلق مصطلح الفكرة المطلقة، وهي التي تهدي الارادة لأنها عمياء في نظره، اي ان الانسان اعمى لا يرى الحقيقة… واعتقد بأن افكار شوبنهور خضعت لحالته، النفسية ومن هنا نستطيع الاشارة الى انه عاش فترات الهدوء والاستقرار الصوفي كما قال عبد الله الخطيب اي واد ارادة الحياة التي اقتبسها من ــ البوذية ــ حيث شكلت اراؤه الاساس الايديولوجي الرجعي لفلسفة نيتشة / عبد الله الخطيب / الانسان في الفلسفة ص65//
وعرف المفكر «هارتمان» باهتمامه بالإرادة وصاغ مفهوماً لم يختلف كثيراً عن غيره من المفكرين وقد اعتبر الارادة «التصميم الواعي للشخص على تنفيذ فعل معين او افعال معينة. والفلسفة المثالية ومنها فلسفة هارتمان تعبر الارادة صفة مستقلة عن التأثيرات والظروف الخارجية، وليست مرتبطة بالضرورة الموضوعية وتعتبر افعال الناس وسلوكهم مظاهر للإرادة الحرة المطلقة. الحقيقة ان العالم الموضوعي هو مصدر افعال ارادة الانسان «الغرضية» فالعالم الموضوعي والرغبات والمعرفة… الخ تمكنه بتفاعله مع الذات وبواسطة الارادة من ان يحدد لنفسه اهدافاً متعددة وان يتخذ القرارات وفقاً للضرورة ــ الموضوعية وان حرية الارادة لا تعني شيئاً الا «المقدرة» على اتخاذ القرارات بمعرفة الذات. اما الفكرة التـي اعتمدها «هارتمان» فانها اصطلاح فلسفي يشير الى «المغزى» او المعنى او الجوهر. الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمقولات التفكير والوجود، عندما ينظر الى فكرة ما، على انها توجد في الذهن حسب فأنها تشير الى:
1.صورة حسية تنشأ في الذهن كنعكاس لموضوعات حسية هذا في الواقعية الساذجة .
2. على انها معنى او جوهر، اشياء يمكن ردها الى حساسات او انطباعات الذات او من المبدأ (الخلاق الذي يعطي العالم وجوداً حياً وهذا في الفلسفة برغسون، الحدسية الذاتية.
3. تشير الفكرة في بعض المذاهب الفلسفية الى المبدأ المادي / عبد الله الخطيب / ص 69//
الفكرة هي جوهر الموجود وجوداً موضوعياً بكل الاشياء في الفلسفة الموضوعية المنطقية وفي الفلسفة المادية الجدلية، تعتبر الفكرة انعكاساً لواقع موضوعي متطور وانها بصورة عامة شكل او منهج للمعرفة الغرض منه صياغة المبدأ النظري المعمم الذي يفسر الجوهري اي قانون الظواهر الا ان هارتمان تأثر بمقولات شوبنهور بدون نقد، فذهب بمفهوم الارادة مذهب المثالية الذاتية التي ترى ان كل التأثيرات الباطنية والافعال النفسية مردها الى شيء واحد هو الارادة؟ وان جسم الانسان هو الارادة، منظوراً اليه من باطن وان الارادة بدورها هي الجسم منظوراً اليها من الخارج، وعلى هذا فأن كل حركة للجسم الانساني هي حركة الارادة او العكس بالعكس / ن . م / ص70//
فعل الارادة هو بعينه فعل الجسم، اي ان الارادة والفعل واحد، وانما النظر العقلي هو الذي يفصل بينهما ثم ان الارادة في الفلسفة المثالية الذاتية هي جوهر وجود الانسان «لا العقل والمنطق» الذي لا يفني كما في الباطن المباشر «الجوهر الباطن» الحقيقي للإنسان الذي لا يفنى كما في هيامات الفاشية والنازية التي اعتمدت فلسفة نيتشه وجيوفاني جنتلي الايطالي واكد كيركغادر على ان الوجود كينونة الانسان الداخلية التي يحددها هو بإرادته. ونلاحظ هنا ان للإرادة مركز مهم وجوهري في التعامل مع وجود الكائن الفرد / الانا، القادر على التعامل مع وجوده بوصفه كينونة في الداخل.
الوجودية لا تتذكر التاريخ بوصفه شاهداً على ما انتجه الانسان والجماعات منذ اللحظة البدئية وايضا توليه اهمية تذكر عبر كل مراحل التطور الحضاري والاختراعات العلمية. فهي ــ الوجودية تنكر تماماً ظاهرة التطور وتلغيها او تنفيها كما اشارت لذلك الفلسفات المضادة بمعنى تنقي التاريخ البشري ككل. فزمن الذات قصير ــ في نظرها ــ وهو وحدة الوجود وليس ثمة مجتمع في نظر سارتر انما هناك ( ما يجاور الذات ) وعلاقات بين الذاتيات وليس هناك تاريخ وانما ( صفة تاريخية ) للفرد فقط. وهذه رجعية بالنسبة حتى لتفكير هيغل المثالي، وذلك لاعتماده الحسي التاريخي الذي كان يؤلف قاعدة تفكيره الواسع كما وصفه انجلز / عبد الله الخطيب / الانسان في الفلسفة //