رسالة الى ناقد متخصص في رواية الديكتاتور

بغدادبرلين 

نجم والي 

عزيزي حاء……
لا أظن أنَّ هناك فارقاً بيـن ديكتاتورنا وبين ديكتاتور أميركا اللاتينية أو الديكتاتور الآسيوي أو الديكتاتور الأفريقي، نحن نظن أننا أكثر من عانى لغرور منا، لكي نمنح أنفسنا دور الضحية، لكي نعفي أنفسنا من المسؤولية، وأظن أنه أشبه بالنظر للموروثات الشعبية عند الناس عموماً في العراق فيما يخص الطقوس الدينية مثلاً، نُسلم أنفسنا لأمر ما، ونظن أنه حقيقة مطلقة غير قابلة للنقاش. كيف يمكن أن ننسى، أن الديكتاتور الكمبودتشي بول بوت مثلاً، أباد وخلال مدة ثلاث سنوات من حكمه 25% من سكان كمبوديا، قرابة 3 ملايين شخص؟ كيف ننسى ما ارتكبه الديكتاتور التشيلي بينوشيتمن من جرائم؟ هل نسينا الديكتاتور الارجنتيني الجنرال فيديلا؟ في الأرجنتين كانوا يرمون المعارضين من طائرات الهيليكوبتر وهم أحياء في البحر! ماذا عن جرائم الديكتاتور الأفريقي «بوكاشو» حاكم أفريقيا الوسطى؟ قتل قرابة 200 تلميذ مدرسة ابتدائية في يوم واحد لرفض ذويهم شراء بدلات زي موحد مدرسية لهم لعدم قدرتهم على شرائها؟ ماذا عن جرائم هتلر في التاريخ؟ أكثر من 5 ملايين فقط لقوا حتفهم في أفران الغاز التي أنشأها النازيون؟ هل نسينا جرائم ستالين؟ هل نسينا… هل نسينا؟ .. صدام حسين هو تكملة لهذه المدرسة لاغير، مدرسة الديكتاتور، ليس من الغريب عشقه لستالين، وصداقاته مع الديكتاتوريين، الاسباني الجنرال «فرانكو» والبرتغالي الجنرال «سالازار» (أهدى كل واحد منهما ناقلة نفط، كأن النفط ملك أبيه!) ومثلها علاقته الوطيدة مع الجنرال فيديللا …..
الفارق هو ليس في شخصية الديكتاتور بيننا وبين أميركا اللاتينية، الفارق هو في شخصية الروائيين. روائيو أميركا اللاتينية اكتشفوا مبكراً، أنهم لكي ينجزوا رواية ناجحة عن الديكتاتور، كان لابد لهم من تنفس هواء نقي، الأمر الذي عنـي أن عليهم أن يغادروا، وهذا ما جعلهم يختارون المنفى. الغواتيمالي «ميغيل أنخيل أستورياس» الذي كتب أول رواية عن الديكتاتور، رواية «السيد الرئيس» كتبها في المنفى، «خريف البطريرك»، وجميع روايات ماركيز (باستثناء رواية عاصفة الأوراق) كتبها ماركيز في منفاه (باريس، لشبونة، مكسيكو سيتي)، بيرغاس يوسا كتب جميع رواياته في المنفى، خوليو كارتازار كتب كل روايته في المنفى … الخ كل الذين ذكرتهم أنت (باستثناء المكسيكي فوينتيس، وهو على فكرة لم يكتب عن الديكتاتور!) كتبوا أعمالهم وعاشوا وماتوا في المنفى.. من يزور مقبرة بير لاشيز في باريس سيجد عشرات الكتاب الذين كتبوا عن الديكتاتور وماتوا في باريس ودفنوا فيها…
وروائيونا؟ كيف سيكتبون عن الديكتاتور وهم فضلوا البقاء هناك، ليس العيش تحت ظله بل العيش من عطاياه، فيما خصنا نحن العراقيين، هل نسيت الذين التقاهم صدام حسين وأهدى كل واحد منهم على الأقل كومبيوتر وحفنة من الدولارات (أعرف خمسة منهم على الأٌقل، اثنان منهم حدثاني قليلاً عما جرى، لكن يظل السؤال مطروحاً، لماذا صمتوا بعد 2003 ولم يتحدثوا عن ذلك اللقاء علناً؟)، وفيما خص العرب، هل نسيت أن أغلبهم فضل العيش من عطايا صدام ومن عطايا القذافي وغيره؟ أنظر للروائيين (والأدباء) العرب اليوم وعدد لا بأس به من العراقيين كيف يهرولون ناحية الخليج يسبحون بحمد الحكام هناك ويمجدون اليسوة والمايسوة؟
الروائيون الذين ذهبوا إلى المنفى كتبوا عن الديكتاتور، لكن لا أحد يريد التذكير بهم، أو إذا ذكرهم فإنه يقلل من قيمة ما كتبوه، وذلك بنظري منطقي: لأن هؤلاء النمامين ومثيري الجهل الكراهية يذكروننا بكل أولئك، ألف: الذين ارتضوا العيش على رحمة الديكتاتور وعطاياه بما كتبوا من مدائح للديكتاتور وما بثوه ويبثونه من تزييف وودوغمائية، باء: أنهم يذكروننا أيضاً بببعض أولئك الذين خرجوا إلى المنفى معهم لكنهم مارسوا الانتهازية بشكل آخر، أولئك الذين أصروا على تنفس هواء فاسد حتى وهم في المنفى، فتحولوا إلى عاطلين عن الأدب وجثث متسفخة أدبياً وحياتياً في عواصم الغرب… روائي المنفى الذي كتب عن الديكتاتور يذكر الأولين (من صنف ألف) بموت الضمير عندهم والكذب والخديعة، بينما يبعث عند الثانين المصابين أصلاً بالدونية وعقدة النقص (من صنف باء) الحسد والغيرة والنميمة والكره … كل ذلك لا يحمل هؤلاء جميعاً على تجاهل ما أُنجز من روايات عن الديكتاتور في المنفى وحسب، بل بإلغاء كل ما كُتب في روايات المنفى ضد الديكتاتورية والحرب والعنصرية والقتل.
فهل يُمكن عقد مقارنة بين رواية الديكتاتور في أميركا اللاتينية والرواية المكتوبة عن الديكتاتور عندنا في مثل هذا الوضع؟ كيف يمكن إنجاز مقارنة نظيفة والمرض ما زال متفشياً عندنا، بل وتفاقم، في الجسد الثقافي العراقي والعربي في العقدين الأخيرين وبشكل مخيف!