التعليم بوابة للإبداع

عواد ناصر 

لا بدّ من الاعتراف بمحنة التلاميذ الصغار في العراق، بعامة، وفِي المدن التي عانت العنف والإرهاب، بخاصة، خلال ما سمّي بالحرب الأهليّة، بعد سقوط الدكتاتورية، عام 2003، أو خلال سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في مدن شمال العراق وغربه، لاحقاً، وتحديداً في الموصل وما جاورها.
آخر التقارير الدولية، صدر قبل أيام، ونشر في صحيفة Evening Standard اللندنية، من مراسلها في مدينة أربيل، مارتن بينتام، تحت عنوان: «بريطانيا تبعث الأمل في أطفال العراق من ضحايا «داعش»، كشف فيه أن خبراء من المملكة المتحدة يساعدون نحو 5000 من تلاميذ العراق وشبانه، في الموصل، عبر التدريب على تجاوز الصدمة واستعادة صحتهم البدنية والنفسية.
نقل التقرير عن تاج الدين علي، عضو مجلس المحافظة قوله»هناك فتيات ما زلن يعانين الخوف بعد اختطافهن من قبل الإرهابيين، عدا القتيلات والجريحات، ومثلهن من أقرانهن الفتيان ممن جرى انتهاكهم.
كثيرون فقدوا بيوتهم وعوائلهم، ولَم يزل مستقبلهم غامضاً.
بعضهم فقد سنتين دراسيتين، أو ثلاثاً، إذ يقيمون اليوم في المخيمات، هذا وغيره من الأسباب، أدى إلى تغييرات كبيرة في سلوك التلاميذ، حيث أصبحوا عدوانييـن ويعانون من مشكلات عقلية.
وتطرق التقرير إلى سوء الظروف التعليمية وقلة عدد المدارس، والموجود منها في أسوأ أحواله ولا يصلح كبيئة مناسبة للتعلّم.
ميري ديلاني، أحد أفراد الفريق، وهي مدرّسة من شرق لندن، متخصصة بالصحة النفسية، حذّرت في إحدى الجلسات التدريبية من أن الانتهاك والتعذيب لا يقتصر على الأطفال، وحدهم، بل يشمل البالغين، ومنهم المعلمون والمدرسون العراقيون الذين يعانون المِحنة ذاتها، إضافة إلى الكثير من العوائل.
لكن الكثير من هؤلاء البالغين أبدوا استعدادهم للتعلّم والافادة من خبرة الفريق البريطاني لمساعدة الأطفال الذين فقدوا القدرة على النطق للتعبير عن أنفسهم.
المشكلة الأعوص، كما يشير خبراء الفريق البريطاني، هي أنَّ هؤلاء الأطفال أبناء عوائل تعاطفت، أو أيّدت، «داعش» أثناء احتلال مناطقهم ومن ثم تهجيرهم، أي أنّهم خضعوا لعمليات غسل مخ يصعب معالجتها.
هذا أهم ما جاء في تقرير مراسل الصحيفة البريطانية من أربيل.
وأقول: سندرك أهمية المدرسة الأولى عندما نتذكّر أنّها البوابة المبكرة في حياة الطفل نحو المعرفة والثقافة والإبداع، أي إنها القاعدة الإساسية لبناء مجتمع منتج ومتطور ومتسامح، إذا أن مفكري العالم ومخترعي أهم إنجازاته العلمية والفكرية والفنية كانوا تلاميذ صغاراً قبل ان تكبر أحلامهم، شبه المستحيلة، ليضعوا بين أيدي البشرية أهم ما أنتجته عقولهم ومغامراتهم المدهشة.
المسؤولية، اليوم، تقع على عاتق الجميع: الدولة ومؤسساتها ذات العلاقة، والناس، أيضاً، قدر ما يتعلق الأمر بهم، أولياء أمور ومعلمين ومربين، وعلى المؤسسات الإعلامية من حيث تبنّي النقد الموضوعي والنشاط في كشف ملابسات القضية وتقصي أسبابها والاستعانة بالمتخصصين للمساعدة في وضع الحلول.
إنَّ خلق جيل متعلّم وسط بيئة تعليمية وتربوية صالحة خطوة مهمة لمكافحة التطرّف والعنف وإقصاء الآخر المختلف، وهذا، أيضاً، أشار له فريق العمل البريطاني، خلال الحديث إلى المراسل المذكور.
ختاماً، لا بدَّ من الإشارة إلى أن مناهج تعليم مهنية، يضعها متخصصون مهنيون وأكفاء، جانب مهم في تطور التعليم والتربية والثقافة الاجتماعية، بعيداً عن التخندق والتحزب وأدلجة الكتاب المدرسي، مع العناية بهذا الكتاب ليكون ممتعاً وجذاباً ومغرياً للطفل، وليس كتاباً جافاً محشواً بالمعلومات التي تجبر الطفل على حفظها غيباً تنتهي مهمتها بانتهاء السنة الدراسية، من دون إغفال تشجيع الكتابة للطفل خارج الكتاب المدرسي، ومن متابعتي الشخصية وجدت أن أغلب الشعراء والروائيين والكتّاب، في الغرب، كتبوا للأطفال.