التحليق بالأقنعة.. «وداعاً، أراك في السماء»

علي الياسري

خليط الفرح والحزن على حافة الموت أو في وهج العيش. لذة الكوميديا الراشفة من ينابيع عميقة للأفكار والأحاسيس. اطلالة بنظرة شخصية على تفاصيل صورة حياة عامة تنقلها قوة سحر الضوء النابع من العتمة وجاذبية الفن الى زمن عصر معين بلحظة تاريخ فارقة، محدقة في فسيفيساء تركيبته ما بين أحداث كبيـرة وعلائق شخصية ونمط عيش وحركة حضارة وانعكاسات ذلك على الكينونة الإنسانية.

لايخفق فيلم «وداعا، أراك في السماء» للمخرج والممثل «ألبير دوبونتل» في ابراز السمات الكلاسيكية للسينما الفرنسية حيث تنمو وتذبل المشاعر على وهج تبدلات حال الشخصيات ضمن بناء مشهدي تجتمع فيه لمسات التعبير اللوني بفاعلية المقاربة البصرية مع شيء من ضربات فرشاة الخيال الروائي. وما اكتساح جوائز السيزار-المعادل الفرنسي للأوسكار الأمريكي- لهذا العام فوزاً وترشيحات إضافة للحضور الجيد في شباك التذاكر إلا دلالة على ذلك واحتفاء بسينما المؤلف التي أنبثقت في عاصمة النور لتنمي ذائقة المشاهد حين منحت للصانع حرية الإبداع الفني بالأطر الجمالية للوصول الى ملامسة قضايا الإنسان وواقعه.
يُعد «دوبونتل» سيناريو فيلمه عن رواية بذات العنوان للكاتب «بيير لوميتر» والفائزة بجائزة «غونكور» عام 2013 ليقدم حكاية رجلين جمعتهما خنادق الحرب العالمية الأولى في لحظة ختامها حين يحرك صمت الهدنة هوس ضابط يتلذذ بالحرب. يمنح احدهما الآخر فرصة البقاء لكن مع دفع ضريبة النجاة من الموت حيث يصاب الرسام الشاب بجراح بالغة اثناء محاولته انقاذ رفيقه المحاسب السابق من الدفن حياً.
مع صوت الراوي وحركة الزمن بالحدث نحو استرجاعات سابقة منتظمة، يقدم المخرج ملمحاً آخر من خصائص السينما الفرنسية من خلال البناء المتروي للشخصيات الرئيسة والاتزان بالإيقاع برغم حيوية الصورة. فثمة أمر محوري في القصة يتوجب اظهاره بشكل جلي على طول دقائق السرد في الفيلم، وهو معاناة الضحايا الذين دمرت الحرب حياتهم للأبد فصاروا معلقين على هامشها بلا يقين الحاضر أو أمل المستقبل، دون أن يغفل رد الفعل على قسوة وفساد الطبقة البرجوازية سياسياً واقتصادياً والملتحمة مع استبداد وانتهازية رجالات العسكر، المتسببين بكل تلك المآسي. فيستخدم الفنان موهبته كسلاح تعبيري جمالي يتصدى للانا المتوحشة. محولاً بخياله الإبداعي مصادر الألم الى أداة ادهاش فنية ووسيلة انتقام بنبرة تهكمية من خلال الحصول على الجائزة المالية لمسابقة اقامة نصب تذكاري للجنود الذين فقدوا حياتهم بالحرب. يرتفع نسق التعبير العابث للسلوك درامياً ليلفت الأنظار الى صورة المجتمع الباريسي بتلك الشهور والسنوات التالية لسكوت مدافع الحرب الكونية الأولى حيث الشراهة في الاظهار عن التوق للحياة بحمى الانغماس المجنونة في الملذات أزاء المعاناة الهائلة للكثير من معوقي الحرب جسدياً ونفسياً والفاقدين لأي دعم أو رعاية حقيقية تخفف من صور أهوال الموت التي ترافقهم.
يستثمر الفيلم نشوة تجاوز الألم التي يخلقها المورفين للفنان المنكوب بعوق الحرب الدائم على وجهه في اطلاق العنان لروحه التشكيلية من خلال التعبيرات الفنية للأقنعة التي تمثل طقس علاج روحي ووسيلة للتعبير عن أفكاره وعواطفه وتكوين لمحات من تلك الخيالات الفنية التي أجهضتها سلطة الأب ووحشية الحرب، إضافة الى أنها جرعة شجاعة تساعده في الوصول الى غاياته، ونافذة إبداع تطير به على مسرح الحياة ليقدم المأساة والملهاة. هذا الاستجلاء لتلك الروح الحساسة بترافتها الفنية لم تكن لتظهر بذلك الحافز المتنامي لولا ألتقائها مع نقاء وبراءة الطفولة التي مثلتها شخصية (لويز) وهي اليتيمة من الأهل بسبب الحرب لتصبح صوته المعبر عن أفكاره بعد ان جمعت قلوبهم انكسارات الفقد وإحساس الوحدة.
يفسح سيناريو الفيلم مجالاً لتنامي الشخصيات الثانوية كلما تقدم السرد، فيظهر تأثير الكثير منها بتطور الأحداث. كما أن طاقم التمثيل بدا متألقاً بأداءات ممتازة، وربما سمحت خبرات المخرج «دوبونتل» وهو المعروف بأدواره العديدة كممثل في استخلاص اقصى الامكانات التجسيدية للعاملين معه، حيث قدم الممثل الارجنتيني الشاب «ناويل بيريز بيسكيارت» اداءً متوهجاً بعد أن جلب الأضواء عليه بفيلمه السابق (120 نبضة في الدقيقة).
لاشك أن «ألبير دوبونتل» نجح في كسب الإعجاب النقدي والجماهيري لصنعه فيلماً جيداً لكنه ليس تحفة، فنهايته تقليدية بل ويمكن القول أنها مفتعلة. كما أنه لم يمنح الفيلم تلك اللمحات المشهدية أو الحوارية التي تنطبع كبصمة في الذاكرة من خلال لفتات الفرادة الفنية. فأهماله لتطوير ثيمة الأقنعة كثيرا ومنحها مساحة أكبر كعمود تعبيري ترتبط به خيوط السرد الأخرى برغم علمه بضرورتها للحكاية أفقد الفيلم نسبة معينة من ذلك السحر المدهش الذي تطبعه على المتلقي ربما لخشيته من المقارنة مع (شبح الأوبرا). لكن يمكننا تفهم هذا اذا ما قاربنا المنهج السردي والستايل البصري للفيلم مع أسلوب المخرج «جان بيير جونيه» خصوصاً بفيلمه (خطوبة طويلة الأمد) الذي يهتم بوحدة التكوين الفني للعمل ضمن اطار شامل كمنظور عام يخلق عالما من الدهشة والعجائبية تنشأ فيه سلسلة من حكايات غرائبية دائبة الحركة على الشاشة، مع تنويعات لونية لافتة ضمن التكوين تطبع الصورة بحيوية مبهجة. وهكذا نرى في «وداعاً، أراك في السماء» دينامية بصرية تزدهر فيها الصورة بفاعلية حركة الممثل والكاميرا. فكاهات سريعة هي ضربات للوعي أكثر منها للضحك، تحيط بها مشاعر الحب الأوجاع وأحاسيس الألم في مس شفيف لأفق الروح المُنكسرة على نصل الحرب.