الفانونية ومناهضة الاستغلال

فرانز فانون

محمد قنور

«فرانز فانون» واحد من المفكرين العظام الذين ناضلوا من أجل تصفية الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية، وما يزال واحدا من الأصوات الأكثر قراءة وتأثيرا على نطاق واسع. كانت حياته القصيرة جديرة بالمتابعة، بسبب انخراطه في الكفاح من أجل الاستقلال، خصوصا مع الشعب الجزائري ضد فرنسا، حيث قدم تحليلات حماسية متأنّية حول الاندفاع الإنساني نحو الحرية ومواجهة المستعمِر.
لقد أصبحت أعماله المكتوبة نصوصا مركزية في استقلال ثقافات وشعوب العالم الثالث، ويرجع ذلك إلى اهتمامه بالأدوار التي يمكن أن تلعبها الهُجْنة في تشكيل ثقافات إنسانية مناهضة للاستعمار.
ولد «فرانز فانون» في العام 1925 وترعرع في المستعمرة الفرنسية جزر المارتينيك. وكان لعائلته مركز اجتماعي داخل المجتمع المارتينيكي يؤهلها لتكون من البرجوازية السوداء؛ حيث يميل أعضاء هذه الطبقة الاجتماعية إلى السعي وراءَ استيعاب الثقافة الفرنسية. لقد نشأ «فانون» في هذه البيئة، وتعلم تاريخ وثقافة فرنسا. وبعد مرحلة الثانوية، ترك المستعمرة في عام 1943، وذهب ليقاتل مع القوات الفرنسية في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية.
بعد الحرب، مكث فانون في فرنسا لدراسة الطب النفسي والطب العام في جامعة ليون. وهناك، واجه العنصرية المضمرة تجاه السود. وكان الأمر هذا مصدر إلهامه لكتابة مقاله المطول بعنوان (نزع السلاح عن السود) والذي اشتغل عليه فيما بعد، وأصدره في كتابه الأول بعنوان «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء». وهنا أيضا بدأ استكشاف الأفكار الماركسية والوجودية.
في عام 1953، قبلَ بمنصب رئيس هيئة الأركان في جناح الطب النفسي في البليدة ومستشفى جوينفيل في الجزائر. وفي العام التالي، شهدت الجزائر اندلاع حرب الاستقلال ضد فرنسا (انتفاضة جبهة التحرير الوطنية)، التي تم قمعها بوحشية من قبل القوات المسلحة الفرنسية.
لقد أدرك فانون أنه لا يستطيع الاستمرار في مساعدة الفرنسيين لإنهاء حركة المقاومة؛ فاستقال من منصبه. وبما أنه لم يعد يعمل رسميا للحكومة الفرنسية في الجزائر، كان فانون حرا ليكرّس نفسه لقضية استقلال الجزائر. فقام بتحرير جريدة (المجاهد)، واسهم بمقالات حول حركة الاستقلال بمطبوعات متعاطفة ونشرها في جرائد مثل (حاضر إفريقية) وجريدة جون بول سارتر (العصر الحديث).
في عام 1959، نشر فانون سلسلة من المقالات بعنوان: «العام الخامس للثورة الجزائرية»، والتي تشرحُ كيف أن المواطنين الجزائريين المضطهدين نظموا أنفسهم في قوة قتالية هائلة. وتولّى منصبا دبلوماسيا في الحكومة الجزائرية المؤقتة، فعمل سفيرا في غانا، واستخدم نفوذ هذه المكانة للمساعدة في فتح طرق الإمداد للجيش الجزائري.
في غانا، تم تشخيص إصابة فانون بسرطان الدم الذي سبب وفاته. وعلى الرغم من انهياره الصحي، أمضى فانون عشرة أشهر من سنته الأخيرة من حياته في كتابة الكتاب الذي سيذكره أكثر «معذبو الأرض»، وهو اتهام لوحشية الاستعمار بالعنف والاستغلال، منهيا صفحاته بدعوة شغوفة لبدأ تاريخ جديد للبشرية، تاريخ يجب أن يبدأ من قبل العالم الثالث من خلال التركيز على الفن والإنتاج المحلي بعيدا عن ما يقدمه المستعمِر.
كانت لفلسفة الزنوجة، التي قدمها «إيمي سيزير»، تأثير كبير على فكر فانون. ولو أن فلسفة كبرياء السود هذه شكلت قوة مجابهة بليغة بالنسبة إليه من أجل إدراك الميول الشخصي والاجتماعي، إلا أنها كانت نقطة تحدّ للثقافة الإمبريالية السائدة آنذاك. لقد صارت وجهة نظر فانون أكثر نضجا بعد دراسته في فرنسا لكل من هيجل وماركس وهوسرل. فطوّر فكرة مفادها أن الدياليكتية يمكن أن تكون عملية استجابة الذات المغتربة إلى الصدمة العنصرية بطريقة فعالة، ثم إلى حساسية القوى الاجتماعية والاقتصادية التي تحكم. كما أدرك أن وجودية سارتر هي بمثابة مورد مفيد لتنظير عملية البناء الذاتي التي يختار كل فرد في بداية تكوينه الفكري الإنساني.
إن الوحدة الإفريقية التي أدركها فانون نفسه كمساهمة في عمله نيابة عن شعوب العالم الثالث لم تتحقق حقيقة كحركة سياسية فقط. يجب أن نتذكر أنه في وقت فانون لم يكن لمصطلح العالم الثالث المعنى الذي يحمله اليوم؛ حيث يعني اليوم مجموعة من البلدان الفقيرة للغاية. في خمسينات وستينات القرن العشرين، أشار هذا المصطلح إلى الأمل في بديل للتحالف السياسي مع العالم الأول (الولايات المتحدة وأوروبا) أو العالم الثاني (الكتلة السوفيتية). إن محاولة توليد تضامن سياسي وقوة سياسية ذات مغزى بين الدول المستقلة حديثا في إفريقيا قد تراجعت بدلا من ذلك، لأن هذه المستعمرات السابقة وقعت ضحية لنوع من الاحتقار، والذي حذّر منه فانون. واليوم وباعتباره برنامجا سياسيا، فإن هذا المثل العالي للتضامن بين الدول الصغيرة لا ينجحُ، ويظل حبيس الانتقادات اليسارية لليبرالية الجديدة التي يقدمها ناشطون مثل نعوم تشومسكي ونعومي كلاين؛ فمنحوه عنوان «استعمار ما بعد الاستعمار». وهنا نجد النظرية النقدية لمفكرين مثل إدوارد سعيد وغياتري سبيفاك، وكلاهما بصدد تحليل الذات الاستعمارية في علاقتها الاستغلالية للمستعمرات، تحليلاتٌ تعتمد ضمنيا في الأقل على الانقسام المَانَوِيّ الذي يقدمه فانون في كتابه «معذبو الأرض».
ويعتمد الناشط في مجال إنهاء الاستعمار والكاتب والمسرحي الكيني نغوغي وا ثيونغو أيضا على الأفكار التي قدمها فانون في «معذبو الأرض»؛ أفكارٌ مستوحاةٌ بشكل أساسي من تأملات فانون حول الحاجة إلى إنهاء الاستعمار. فكتب نغوغي عن الحاجة إلى تجاوز استعمار العقل الذي يحدث أثناء استخدام لغة القوى المفروضة. فمثل فانون، يدرك نغوغي أن اللغة لها شخصية مزدوجة، إنها تستعمر العقل؛ بمعنى أن السلطة تتغلغل في كيفية استخدام اللغة، ولها دورها الفعال في حمل ثقافة على حساب أخرى. «ولكن هذا لا ينفي أنها تحمل دوما القدرة على أن تكون وسيلة نحرر بها أنفسنا،» كما يقول نغوغي. كان آخر كتاب لنغوغي باللغة الإنجليزية «إنهاء استعمار العقل» عبارة عن تخيله الرسمي للغة المستعمر ومحاولة طمسها للغته الأم (الكيكويو)، فشرح سيّادة اللغة في الأدب الإفريقي، مما يبدو جليا أنه يقرأ أفكار فانون.
وتدعو المفكرة الماورية من نيوزيلندا ليندا توهواي سميث الفنانين والمفكرين في مجال إنهاء الاستعمار إلى خلق آداب وثقافات جديدة لأممهم المحررة. فكما سبق أن فعل فانون سابقا، تلاحظ توهواي أن كُتّاب شعب الماوري في نيوزيلندا انطلقوا في إنتاج أدبيات وفنون تعكس وتدعم حركة السيادة الأهلية المتجددة، لكنها تلاحظ أن الاهتمام قليل بتحقيق نفس الاستقلال الفكري في العلوم الاجتماعية. فألهمها فانون من خلال دعوته الفنانين إلى التعبير عن صوتهم في كتابة «منهجيات إنهاء الاستعمار»، وهو كتاب يستكشف الطريقة التي استخدمتها القوى الاستعمارية الأوروبية لإخضاع الشعوب الأصلية.
في الولايات المتحدة، يعمل الفينومينولوجي الوجودي لويس غوردون على التعبير عن النزعة الإنسانية الجديدة التي حددها فانون كهدف لفلسفة مناهضة العنصرية. غوردون هو واحد من الباحثين الأفارقة والكاريبيين –الذين يركزون على الأكاديميين الأمريكيين الذين شاركوا في تأسيس أبرز شبكة أبحاث إفريقية في الكاريبي وجمعية الكاريبي الفلسفية، والتي تمنح جائزة كتاب سنوي باسم فرانز فانون.
في باريس، تبنت ميراي فانون ابنتهُ فلسفته للتحرر الإنساني والتزامه بالأهمية الأخلاقية. إذ ترأست مؤسسة فرانز فانون واتبعت خطوات والدها في عملها في مسائل القانون الدولي وحقوق الإنسان، ودعمت حقوق المهاجرين، وناضلت ضد كل أشكال العنصرية.