كريم الأسدي..الجبايش بعدسة غيمة

د. حسين الهنداوي

مجد أهوار الجبايش التليد، حيث شب وأمضى صباه، وجماليات مياهه الأولى المعلنة والمستورة، وشجونها السماوية والإنسانية الغائرة والعابرة للمسافات والأزمنة هي ابرز المحاور والهموم التي حرصت على اعلائها معظم لوحات الفنان التشكيلي العراقي الكبير كريم الأسدي، الذي يواصل، رغم غربته المتناثرة بين ضباب لندن الرحيم وشمس الاندلس الساحرة، عرض اعماله الموغلة في عزف لحن خلود لتلك المياه الجنوبية الابدية التي زهت بها ملاحم الخليقة السومرية والبابلية، وتستلهم روحها ونبضها وعبقها الخالد، اعمال هذا الفنان، كعشق وكمادة تشكيلية في آن، كما عبرت عنها معارض عدة في العاصمة البريطانية خاصة أثارت على الدوام اهتماما واسعا لما حملته من حوارات حميمة واسرار وهواجس وأسئلة وجودية وعراقية في جوهرها الأهم.
ففي اعمال كريم الاسدي ثمة مجسمات مائية وقصب ونيران وفضاءات لا متناهية تبدو كمن يؤدي معاً رقصة حب حميمة على مسرح من الألوان الراقصة هي نفسها لكن الحزينة ايضا كما لو أن الفن التشكيلي وحده من يستطيع كسر برودة الالوان والاشياء وحتى الماء نفسه رغم انه يظل مشدودا الى مرتع الولادة الاولى بوفاء ما بعده وفاء ورغم التزامه بتقنيات معاصرة وحرفية عالية القدرة على التجديد.
ولا يشعر هذا الفنان بالانتماء الى مدرسة او اكاديمية محددة، او الى جيل محدد.. او الى تيار ما في الفن التشكيلي العراقي بغض النظر عن استفادته من هذا او ذاك منها لا سيما وهو ابن السبعينات تاريخيا كما يقال مع ما يقترن بهذه الكلمة من استذكار لفائق حسن وكاظم حيدر وغيرهما من الكبار. فقد ظل الاسدى ومنذ بدياته الاولى مأخوذا بفكرة ان الفنان يجب ان لا يحدد او يحد من حرية ابداعه تحت اطار المدرسة او الاسلوبية، بل عليه الوقوف على ما وصل اليه الفن في تجاربه الفكرية والتقنية ثم الاستفادة من هذه التجارب لبلورة ما تسعى اليه في هيكلة العملية الابداعية. اذ على الفنان التشكيلي او غيره في تصوره، ان لا يقع في مأزق تكرار ما وصل اليه فنانون آخرون قبله.
وفي لقاء خاص معه قبل سنين، أكد لي هذا الفنان التشكيلي العراقي البارز اصراره الفطري على الانحياز الى الحرية والى العراق معا لكن إنحيازه الاهم يتجه الى هواجسه الجمالية اولا معتبرا ان فن الرسم هو في التعريف الاخير مغامرة التوحد الصعب مع الذات ومع العالم ومع الحلم كذلك عبر الادوات والالوان والفضاءات التي يتيحها.
وهكذا، وفي كل معارضه الاخيرة تقريبا، يعود هذا الفنان الذي يضعه النقاد العرب بين ابرز فناني جيله السبعيني ليؤكد من جديد خصوصيته المتميزة بعصامية خفية ومفعمة بالحيوية في آن الى جانب اهتمام لوني ودقة تشكيلية تشبه الحفر في الذات.. ما يعني ان اقامة اي معرض جديد لديه لا تمثل مجرد تواصل جديد في تجربته على المستويين الفكري والتقني، بل هي مغامرة بذاتها وشاقة بل ومكلفة للفنان خصوصا وانه يواجه هذا العالم بمفرده على المستوى المادي والفكري في واقع الحال.
فالمعطى الفني او الجمالي المحض هو ما يضعه كريم الاسدي كهدف اساسي يسعى للتفرغ له وللعيش معه حزنا وفرحا ورقصا وعلى اوتار كل لوحة جديدة له تطل على جدران مرسم او معرض. وضمن هذه الاشتراطات فقط يشعر بالتواصل وبالتالي بالانسجام مع الذات وايضا بشعور التنقل والانحاز الى حرية تشغله هي ايضا مثلما تشغله هواجسه البصرية والجمالية بأبعادها المختلفة. وهي جميعا تاريخه الفني بل الشخصي بمحطاته المتباينة لكن المتكاملة والتي لا يكف عن الانحياز لها بطريقة او باخرى.
وعلى صعيد المعطى التشكيلي والروحي ايضا هناك في اعمال كريم الاسدي الاخيرة ثمة نقلة شبه كلية وحتى مدهشة تعبر عنها حالة مغادرة عوالم مائية او سفلية بروافد ومتفرعات وتشققات شتى وداخلية دائما في انكساراتها الذاتية وتكسراتها، الى عوالم علوية بتكوينات محلقة نزاعة للتسامي وغير مبالية حتى باختلاجاتها الاقرب..
فتوثيق تجربته او معرفة عناصرها ليس هما بذاته لدى هذا الفنان العراقي اللاهج بعشق الاهوار والجبايش والحياة.لأن ما يهمه هو الوفاء وادامة التواصل الروحي واحيانا المبتكر معها عبر لوحته الخاصة التي هي ايضا حالته ومادته المنتقاة تلقائيا وبدون حسابات عادية. اذ يظل الفن التشكيلي في نظره، مغامرة التوحد الصعب مع الذات ومع العالم ومع الحلم كذلك، لكن دون اختلاق تلك المغامرة بل اكتشاف ذلك الانشداد التلقائي اليها وبطواعية غريبة، كما لو ان العودة التشكيلية الى ذلك الماء الجنوبي الخالد هي طريقته في الوفاء للذات ولمجرد الوفاء غالبا، لكنه وفاء يطارد الفنان في ذات الوقت: «اشعر براحة كبيرة عندما انتهي من اللوحة كما لو انني مدين لها بشيء رغم انها تكلفني الكثير. ربما لأنها تمنحني متعة التحرر من المكان والزمان وحتى من الجذور التي تلاحق الفنان كما لو انها قدره».
وهكذا، فمفهومه الفني يكاد يكون خاصا به كما يؤكده رفضه الافتعال في الفن والمتاجرة به وتسطيحه وكذلك رفضه النزول باللوحة الى الجمهور كما اوحى مرارا وأيضا رفضه الرمزية المغرقة بالتهويمات.. فالفن لديه يرتكز على جانبه الابداعي الذي، اذا خلا منه خلا من جوهره الخاص. وهذا الجوهر لا يتعامل معه كريم الاسدي الا بلغة التشكيل وهي لغة خاصة ليس من الممكن دائما ترجمة مكنوناتها بلغة الادب والمفاهيم: «الابداع ابحث عنه انا في اللوحة واجده احيانا او لا اجده».
ويحرص كريم الاسدي على الابتعاد عن الافتعال بما في ذلك في استلهام مياه الاهوار واسرارها وجمالها واحزانها. لأن الافتعال في الفن فعل ناقص في احسن الاحوال في نظره، ولا بد بالتالي ان يكون ضارا حتى اذا تم تمويهه. ومن هنا رفضه وضع الهم التجاري كهدف اساسي في العمل الفني لأنه سيؤدي لا شك الى السطحية والمحدودية رغم ان هناك صعوبات مادية كبيرة يواجهها الفنان التشكيلي وهو شخصيا عانى منها بشدة: لكن الفن يظل لديه فعل جوهري يتطلب التعامل معه بحساسية عالية تبعده حتى عن المحدودية والسببية اللذين يجب اقصاؤهما في الفعل البنائي للعمل الفني لا سيما وان الفنان عندما يختلي بعمله، ويستغرق في ما يمكن تسميته بلحظات «الخلق»، «لا يفكر الا بتلبية حساسية تلك اللحظة دون الاهتمام بنوع المستوى الذي يجب عليه منحه لعمله كي يكون مقبولا من الآخرين.