بالنسق الثلاثي ين الاقتضاء التداولي والمضمر الثقافي

د. حسين القاصد

لو بحثنا في الشعر الجاهلي، وسألنا بجدية فاحصة لا بغاية تنظيرية عديمة المغزى، لوصلنا إلى بعض الأجوبة المقنعة، فلقد ذهب أغلب الدارسين للشعر الجاهلي بعيدا جدا في تسويغ الخطاب الموجه إلى المثنى في الشعر الجاهلي، من مثل ( قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل …) ولعل حقيقة الأمر أن اللغة التي يتكلمها العرب شارحة لبيئتهم، فهي لغة صحراء، ولغة لاتخلو من الحذر، وكان الرجل حين يسافر يصحبة اثنين أو أكثر، لأن الاكتفاء برفيق درب واحد قد يؤدي إلى غدر أحدهم بالثاني ولاشاهد عليه، ولعلنا نلمس هذا الخطاب في زمن متأخر لكن لدى شاعر أدمن الصحراء قبل أن يموت، وهو مالك بن الريب ( خذاني فجراني … ) وهو خطاب للمثنى كأنه يدلل على براءة من معه، ولو كان ابن الريب قد انتمى للمدينة وهجر الصحراء لما تمسك بالنسق الثلاثي، فالشاعر على الرغم من تحوله من معسكر الصعاليك ومنطقة الصحراء الى معسكر المدينة ومنطقة السلطة، نجده مازال نسقيا قضويا تداوليا، فهو ما ان هدده خطر الموت مال الى مخاطبة شخصين اثنين، ووفق هذا الاقتضاء الذي يبدو مهيمنا على الخطاب، نجد أن من الذرائعية الواجبة أن نلجأ للاقتضاء أو لمجاراة النسق السائد أو اللجوء لما توفره فنون البلاغة لتعيننا على الاحتفاظ بالمضمر والنطق بالحيلة الثقافية أو الاقتضاء التداولي، فإذا كانت العلاقة بين الكلمة والغرض الذي تمثله أو المعبر عنه علاقة افتراضية وتقوم على العرف كما يقول سوسير، فإن بيئة صنع أهلها لغتهم من أقرب الأشياء التي تحيط بهم، وهي لغة متحسسة لكل مايعيشونه، فهم اشتقوا الجمال من الجمل وهم اشتقوا الأناقة من الناقة، وفصّلوا القصيدة على هندسة بيتهم الذي يسكنونه، وهم بذلك ينطقون مايستشعرون، لذلك صارت حتى تحيتهم تداولية براغماتية ذات نسق مضمر مرعب، فإذا كان صاحب القصيدة يخاف السفر مع الواحد ويصطحب اثنين ويعلن اصطحابهم ببيان شعري، فإن تحيتهم لاتخلو من خوف مضمر فصار المرء يستبق الخوف بالأمان ويقول ( السلام عليكم ) وحين يغادر ( استودعكم الله ) أو رافقتك السلامة، أو في أمان الله، وكل هذا موافقة مقتضى الحال ومقتضى الحال يقول أن المرء غير مطمئن وغير آمن، ولعله تداوليا صار حتى السلام الجمهوري أو السلام الملكي مصحوبا بالسلاح إن كان سيفا أو سلاحا حديثا، و لقد حاول كلود ليفي شتراوس ( أن ينظر إلى مكونات السلوك الثقافي … ليس كهويات غريزية أو مستقلة، بل وفقا لمعايير العلاقات المتباينة التي لديهم والتي تجعل تركيباتها تتماثل مع التركيبة الفونيمية للغة ) ، ولعل شتراوس أراد باللغة هنا اللسان، لأنه هو الذي يشكل الملمح الجمعي وهو (( أعم من اللغة ومن شكل تحيينها الواقعي ( الكلام) وسابق عليها معا، فهو ملكة تختلف في كونها فطرية أو غير فطرية لأنه قدرة مجردة توجد في دماغ الكائن البشري … أي هو ملكة من القواعد المختلفة )) ، ولسان الصحراء كما هو واضح، إنهم ينطقون بالقرب منهم ولايذهبون أبعد من حياتهم ، وليس بعيدا ماحدث مع علي بن الجهم في قوله للمتوكل العباسي :

أنت كالكلب في حفاظك للود
وكالتيس في قراع الخطوب

إنه وصف المتوكل بكل الأشياء التي يعيشها يوميا وهي ما اقتضاه الحال، وهي ثقافيا تنم عن النسق البدوي الخشن المحدود الذي لايرى أبعد من حدود بيته، وهو بهذا لم يختلف عن لسان اهله، ولم يبدع، يقول أدونيس (( فاللسان واحد للجميع فهو مشترك أصلاً…وإنما ظاهرة اجتماعية أما الكلام الشخصي فهو ظاهرة ذاتية، لامريء القيس وبدوي الجبل لسان واحد، لكن لكل منهم لسانه الخاص والمتميز )) لذلك حين قال ابن الجهم ( عيون المها … ) صار له كلامه الخاص، فقد خرج عن النسق إلى مقتضى الحال الجديد.
يقول باختين (( إن كل خطاب نثـري ذي اطار خارجي فني، في أي شكل من اشكاله …لا يمكن أن يخطئ التوجه نحو المنطوق أصلا … فكل كلمة موجهة نحو إجابة ولا يمكن الافلات من التأثير العميق للكلمة المجيبة نستبق إلى توقعها، إن الكلمة في التحادث الحي تتحرك مباشرة وبلا مواربة نحو الكلمة الجوابية)، لذا لابد من التركيز على أن المعاني المتداولة تخضع للمؤثرات الاجتماعية والثقافية ، فنحن على سبيل المثال اعتدنا على جعل رمزية خاصة ( للعقال) وهو نسق ثقافي اجتماعي يميز زي أهل العراق والخليج، لكن كل من تحدث عن رمزية العقال ربطه بكونه بديلا للعمامة بعد هزيمة العرب في الأندلس، والبعض ربطه بعقل الناقة ، لكنّ أحدا لم ينتبه أن المقاتلين قديما كانوا يعقلون سيقانهم كي لايهربوا من المعركة وبعد أن صارت الحروب حروب رأي وحكمة أخذت بعض المجتمعات بوضع العقال على الرأس وهو تطور ناجم عن التواصل، وصار المتداول أن العقال للرأس ليس للناقة ولا للساق، وهكذا فالتواصل ينجب تداولا جديدا ، ولعلنا نعود إلى ( قفا نبك ..) وكيف أن الرحلة تكونت من ثلاثة فأكثر ، فقد صار متداولا بعدها نسق ثقافي يتسيد كل حكاية أو حكمة .
وإذن فالتداول يشكل نسقا في الاستعمال اللغوي للخطاب، والنسق يكون ظاهرا ويأخذ طابع السلوك الاجتماعي والمغزى الذرائعي البراغماتي؛ أما النسق المضمر فيستدل عليه التداوليون بالتأويل التداولي والاقتضاء .
وإمعانا في ظاهرة أن العرب دائما يحتاجون لشاهد ثالث، سواء أكان رفيق سفر أو صار نسقا ثقافيا شائعا في خطابهم، فالطلاق عندهم يكون بالثلاث ، وشواهد النسق الثلاثي كثيرة، منها، فمن الحكم والنصائح الشائعة ( إياك ان تنسى ثلاثة أنواع من البشر في حياتك : من ساعدك في الأوقات الصعبة ، ومن تركك في الأوقات الصعبة، ومن سبب لك الأوقات الصعبة) ومن ذلك الحديث النبوي ( ألا لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان)، وهو إمعان في نسق الخوف من النسق الثنائي لأنه في حالة حدوث مكروه ليس من شاهد على ماحدث، ولعل هذا النهي مبني على موروث النسق الثلاثي، فلا أمان بين اثنين في بيئة صحراوية ، ومن النسق الثلاثي الذي يشترك بالاقتضاء التداولي، قوله تعالى ( إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا انا اليكم مرسلون …) ، ولقد جاء الخطاب القرآني موافقا للنسق السائد عند العرب، لايزول عنه الشك او الخوف الا بالتعزيز بثالث، وهو أصل ميلنا في ما يخص ( قفا نبك … )
ذلك لأن( استنتاج المستمع هو فعل تأويل ) ، والمستمع أو المتلقي هو فاعل مؤثر في المعنى التداولي بل هو شريك أساسي في انتاجه، فالقول هو قول المتكلم لكن التأويل مهمة المتلقي، وحين جاء الخطاب القرآني معززا بثالث ، صار هناك عقد ثقافي بين النص القرآني والمخاطب، فلو قال الاثنان إننا مرسلان واقتنع القوم لما احتاج الخطاب النسقي إلى التعزيز بثالث، وهو اضطرار قضوي جاء به مقتضى الحال الصحراوي الذي لاتتعزز لديه الثقة والاطمئنان إلا بثلاثة.