تودوروف مُنظّر الأدب العجــــــائبي

 

زهرة مروة بيروت

يُعدّ “تزفيتان تودوروف” من كبار المفكرين والمنظرين الأدبيين في العصر الحديث، ومرجعا مهما في الدراسات التي تتناول الحكايات والسرديّات الروائية، واللّسانيات والأفكار حول الحرية والحوار والشمولية والحداثة بشكل عام.  الا أنه اشتهر خصوصا بالنظرية التي وضعها حول الأدب العجائبي، أي الروايات التي تتحدث عن أمور خيالية، فوق-طبيعية، كما في «ألف ليلة وليلة» في سبيل المثال لا الحصر.

ولد «تزفيتان تودوروف» عام 1939 في العاصمة البلغارية براغ، من عائلة يهودية مهاجرة، انتقل الى باريس عام 1963، لمتابعة دراسته الجامعية، وبقي في فرنسا حتى وفاته عام 2017.

درس تودوروف الطب النفسي وتخرج طبيبا في هذا المجال. وعمل مديرا للأبحاث في المركز الوطني للبحوث العلمية في باريس. كما عمل أستاذا زائرا في عدة جامعات أميريكية وله 21 كتابا منها : «شعرية النثر»، «مقدمة الشاعرية»، «مبدأ الحوارية»، «الأدب في خطر».

اهتم بتاريخ الأفكار ومسائل العلاقة بين الأنا والآخر عبر التاريخ، وناقش مسألة الحوارية ودافع عن الحرية وكان مناهضا للشمولية ولمعسكرات الاعتقال النازية والستالينية. غير أن تودوروف هو في الدرجة الأولى منظّرا للأدب ومحللا للبلاغة والأسلوب في النوع الأدبي. وركز على دراسة وتحليل ما يعرف بالأدب العجائبي   Fantastique ولا سيما في كتابه «مدخل الى الأدب العجائبي» ، ونظريته في هذا المجال مشهورة تقوم على جملة من العناصر يمكن ايجازها كالتالي:

يُعرّف «تودوروف» الأدب العجائبـي بأنه «تردّد كائن لا يعرف سوى القوانين الطبيعية أمام حادث له صبغة فوق-طبيعية».

وتكمن أهمية هذا النوع الأدبي في الكشف عن المناطق المظلمة في اللاوعي الجمعي. ويصف العلاقة بين القارئ والنص الخيالي بأنها التصديق بما هو خارق للطبيعة الحيّة والابتعاد عن التردّد.  ويدعو الى ابتداع طريقة جديدة للوقوف على طبيعة الأحداث غير الطبيعية أو غير المألوفة عبر الآليات العقلية. ويقدّم مقاربة الأدب العجائبي أو الحكاية عن حدث فوق طبيعي بحياد تام دون المساس بمنطق النص،  بافتراض اقتحامه في عالم  خاضع للعقل.

حصل تودورف في حياته على العديد من الجوائز الأدبية والأوسمة منها: جائزة الأكاديمية الفرنسية وجائزة أمير أستوري (prix prince des asturies)  للعلوم الاجتماعية ونال من الأوسمة: الميدالية البرونزية لويزار، ووسام ضابط من قصر الفنون والأدب.

ترك تودوروف تراثا بحثيا ونقديا وأدبيا ضخما، أثار ولا يزال الكثير من النقاشات ومحاولات البحث عن نقاط وأفكار تضمنتها مؤلفاته ولا سيما في المجال السيميائي (علم الدلالات والرموز)، وتودوروف  يُعد أحد أبرز المفكرين الذين تناولوا من وجهة نقدية وتحليلية وتاريخية هذه الدلالات.

ويلاحظ النقاد أن تودوروف في مقاربته للسيميائية لم يسعَ، كما فعل أسلافه، الى وضع النظريات حول العلامات والرموز والتعريف بها، بل عمل على تقديم المناهج لتناولها وفقا لمبدأي الانضباط والوقت. ويقيم تودوروف أوجه الشبه بين التاريخ وعلم الرموز والعلامات من خلال التركيز على ما أسماه أزمة الكلاسيكية/ الرومانسية من أجل معرفة تداعياتها من حيث المعنى والتفسير. ويؤكد النقاد على أن تودوروف سعى لاظهار أن العلامة أو الرمز تبقى غير واضحة وأن هناك عدة عوامل يمكن أن تختلف في تفسيرها، وفي رأيه أن السيميائية هي انضباط صحيح فقط اذا كان مرادفا للرمز. وفي نظريته حول الأدب العجائبي يربط بين المدهش والخارق والعجيب كما في رواية «ادغار آلان  بو» (بيت آشر)  الذي اعتمد فيها التحليل العقلي حيث يتردد العقل بين تفسير منطقي وتفسير غير منطقي.

ويلفت النقاد النظر الى رؤية تودوروف للعلاقة بين اللغة والتاريخ والكلام ما يؤدي الى طرح مسألة المعنى، وبرأيه ان الحاضر ليس التكرار البسيط ولا النفي الكلي للماضي. ورأى النقاد أن أفكاره وتأملاته المتأخرة ركّزت على موضوع الآخر، ولا سيما مسألة «نحن» و»الآخرين»، في سياق مناقشات الإنسانيين في أوروبا أثناء اكتشاف العالم الجديد، وفي حقبة الاستعمار حتى القرن العشرين. كذلك ناقش موضوع الذاكرة، ودافع من موقع مستقل عن الديموقراطية، وحاول أن يجد طريقا وسطا بين الديموقراطي بمعناه الكلاسيكي والديموقراطية الليبرالية. كما أنه يعتبر أحد أبرز المُفكرين المدافعين عن الحرية. علما أنه يحمل ذكريات مريرة عن الحقبة النازية وعن الفترة الستالينية في الاتحاد السوفياتي.