ماذا بعد موت غوتنبرغ ..

شوقي عبد الأمير

ماذا ستكون ملامح الخطاب الأدبي والفكري لـِ «اللوح الضوئي» (الموبايل والتابلت) بعد موت غوتنبرغ ..
تلك هي المعضلة ..

في تأريخ الكتابة الذي بدأ منذ أكثر من ستة آلاف عام مفارقة كبرى تضعُنا أمام مفترق حضاري حقيقي، ذلك أن هذا الفعل المؤسس للحضارة؛ الكتابة، قد بدأ على ألواح من الطين المفخور تُسمى الرقائم في وادي الرافدين أو على صفحات البردي كما في وادي النيل..
هذا الاكتشاف «المسمار» الذي ترك بصماته على الطين هو الذي حفظ لنا الذاكرة البشرية حيث استطاع الإنسان أن «يُخيطُ» به جلباب التأريخ والمعارف..
أما اليوم ـــ ونحن نمارس نفس فعل الكتابة ـــ فقد انتقلنا من لوح الطيـن أو البردي الى لوح الضوء «aplle – samsong »..
هذه الإنتقالة التي مرت بمنطقة وسطى انتشرت على مساحة تقارب الـ ستمائة عام تشكلت وتوثقت عبرها ملامح الوجود الإنساني على الارض بكل إبتكاراته وتأريخه وإبداعه الفني والأدبي وكتبه المقدسة،هي التي نسميها «المطبعة» ..
وهي اكتشاف يعود الى القرون الوسطى في عام 1430وصاحُبهُ يوهان غوتنبـرغ (1468ـ 1394) Johannes Gutenberg الألماني الذي ترك بصماته على الحياة البشرية فوق الأرض هو أول من وضع الحروف اللاتينية على الرصاص ومن ثم ألقى فوقها الورق وضغطها بمكبس لتظهر للمرة الأولى في التأريخ الصفحة المطبوعة ويبدأ العصر الورقي بامتياز ..
كانت أولى الصفحات التي طبعها غوتنبرغ (الكتاب المقدس) وما زالت هذه النسخة موجودة في المكتبة الوطنية الفرنسية حتى أن غوتنبرغ الذي غَمرهُ الفرحُ والانفعال باكتشافه هذا قد نسي أن يضع إسمُه على أول مطبوع في التأريخ…
إننا اليوم نعيش مفترقاً خطيراً في هذه السنوات ألا وهو الإنتقال « كلياً» من لوح الطين الى لوح الضوء أي اننا في العقود أو السنوات الأخيرة لمرحلة « غوتنبـرغ» التي تكون قد عمرّت ستة قرون . طبعاً هناك من يُراهن على أن العقود الخمسة الأولى من الألف الثالث ستطوي «غوتنبرغ» وتصبح المطبعة مثل الرَّقيم الطيني والبرديّ حيث سيسودُ لوح الضوء الذي نحمله اليوم في جيوبنا وحقائبنا .. ولا نقدر على مفارقته..إلّا أن هناك من يزعم أن الصفحة والورق ستقاوم أكثـر وأن غوتنبرغ لن يموت وسيبقى ..
إن الرّهان على الورق ومستقبله أمر مرتبط بالاكتشافات وتطوراتها التي تتلاحق بسرعة تتجاوز كل التوقعات، لكنني أعتقد أن لكل شكل من أشكال الكتابة خطاباً خاصاً بها فالحفر على الطين والنار له دلالات ورموز ويفرض نوعاً من الكتابة «أقرب الى القداسة» وهو الذي قرأناه في الملاحم والنصوص الأولى التي كانت كلها تقريباً نصوصاً ذات طابع قدسي فأنت إذ تكتب بالأرض والنار لا يمكن أن تسمح لنفسك بكتابة اسقاطات أو تجاريب أو أهواء عابرة وخواطر فردية صغيرة .. الكتابة بالصلصال والنار تفترض نصّاً يواكب الخليقة ويؤسسُ لها، وهكذا كان .
أما المرحلة الورقية التي جاءت مع غوتنبـرغ فقد فتحت الكتابة على أفاق أكثر شيوعاً وتنوعاً وصار الورق يحمل كل أشكال الخطاب والفكر والانتاج الإبداعي وغير الإبداعي وشمل كل حقول المعرفة بحيث صارت الطباعة ثورة حقيقية قامت عليها الحضارة البشرية حتى أواخر القرن العشرين عندما دخلت «الثورة» الرقمية وبدأت رحلة « اللوح الضوئي» أو الكومبيوتر.
شكلت الثورة الورقية خطاباً أخرج الكتابة من «قداستها» ووضعها بيد البشر لتكون صوتهم سواءً أكانَ قداسة أم أدباً أوعلماً .. أي ان خطاب النص الورقي حررّ الكتابة وأنزلها من «السماء» الى الأرض.. من الآلهة الى الإنسان..
واليوم نواجه خطاباً جديداً يفرضه علينا هذا اللوح الضوئي الذي صار في متناول كل يد .. وكل من شاء أن يكتب وينشر ، يرسم ويوزع ، يغني ويشدو ، يُصّور ويُخرج.. يفعل؛ مايريد لارقيب ولاحسيب ولاقواعد ولا أسس ولا عُرف .. لوحة الضوء فتحت الخطاب على مصراعيه ، وحطّمتْ قواعد اللعبة الخاصة بالكتابة والنشر حتى صار في متناول كل فرد أن يكون كاتباً ناشراً وموزعاً لما يشاء ..
هنا مكمن الخطر ..
هنا يقع الرّهان ذلك لأننا نعيش اليوم العقود الثلاثة الأولى فقط من عصر «الضوء» ولا ندري على ماذا نحن مقبلون حيث حركة الاكتشافات الرقميّة تجتازنا بسرعة خارقة وستقودنا بالتأكيد الى مدارات وآفاق تتجاوز حتى خيالنا وبالتالي ستفرض علينا قيماً وأسلوباً وخطاباً خاصاً بها ..
ماذا ستكون ملامح الخطاب الأدبي والفكري لـِ «اللوح الضوئي» (الموبايل والتابلت) بعد موت غوتنبرغ ..
تلك هي المعضلة ..