شارع الزعيم سرديَّة للتأرخة أم للإبداع الفني

د.سعد عزيز عبد الصاحب

يطبع المنطق السردي الجديد للسرديّة العراقية ما بعد عام 2003 التوغّل في الوقائع اليوميّة بوصفها تأريخانيّة فنيّة، أشبه بالسيرة الذاتية التي تنحو منحى تسجيليا واقعيا، يتغذّى على السياسي وتحولاته داخل البنية المجتمعيّة وذلك في ضوء الكم الكبير من السرديات التي تبدت بمدوّنات (سعد محمد رحيم) في (فسحة للجنون) و (مقتل بائع الكتب) و (خضرقد والعصر الزيتوني) و (عين الدود) لـ (نصيف فلك)، و(المحرقة) لـ (قاسم محمد عباس)، و(الكافرة) لـ (علي بدر)، وبقاسم مشترك مع التجليات السردية لـ (وارد بدر السالم) و (محمد علوان جبر) و (خضير فليح الزيدي).. حين يتحوّل الراوي العليم الى صوت سردي للمؤلف ذاته عاكسا حياته أفراحه وأتراحه شواغله المهنيّة حركته اليومية تجربته الفنيّة ويدخل في لبوس إحدى الشخصيات، ليتوارى نوعا ما المخيال (الافتراضي) للسارد باتجاه الانفتاح المباشر على ما حدث ويحدث بفضاء مؤكد الوقوع ينتمي لفواعل مأساوية سابقة وقريبة من زمنها الواقعي، هذا الانفتاح الواسع على الوقائع من قبل السرّاد جاءَ لأنّ الواقع أمرُّ وأمضُّ فضيحة من الافتراضي والمتخيّل، وحالة تعويض عن نكران السرديات السابقة في زمن الدكتاتورية عن تدوين التاريخ والوقائع الحقيقيّة، فانبرى السارد المحلي بعد فسحة الحرية المتاحة كمارد نهض من قمقمه في تدوين أهم وأدق تفاصيل الحقب السابقة والحالية، لتتحوّل الرواية كجنس أدبي الى وثيقة ذاتية/ سياسية مليئة بالتحليلات السياسية عن سنوات مؤسية من تاريخ البلاد السياسي والاجتماعي، وهذا ما لمسناه في سردية الكاتب (عباس لطيف) الموسومة (شارع الزعيم) لتكمل الاهتمام السردي للروائيين العراقيين بالتاريخ السياسي القريب، وكأنّها جزء ثانٍ مكمل لروايته الاولى (شرق الأحزان).

تمظهرات أصوات الواقعة
يوثّق (لطيف) بشكل فني في سرديته بتحولاتها الزمكانية الواسعة لبنية مجتمعية آخذة بالانهيار التدريجي نتيجة للفعل السياسي الانفعالي المؤطّر بالانقلابات والحروب والصراع الاقليمي والدولي للسيطرة على البلاد، يمثل هذا المشهد خلفية للمشهد الاجتماعي الذي تديره ثلاث شخصيات (جلال) و (سعيد) و (حسن) يلتقون في مرسم (سعيد) الفنان التشكيلي، (جلال) الراوي العليم خريج كلية الآداب ومدرّس اللغة العربية والمصحّح اللغوي في جريدة حكوميّة يشي بصوت المؤلف/ السارد نفسه، أمّا (حسن) فشاعر وهارب من الجيش لا يجد من يطبع مجموعته الشعريّة، يقضي الثلاثة أوقاتهم الليليّة في تناول الراح والتسامُر على ايقاع مراراتهم، فـ (حسن) بسخريته المرّة هو الصوت التراجيكوميدي الساخر الذي طبع الرواية بتعليقات تعبر عن المخفي والمضمر وهيول الواقع الذي تعيشه الشخصيات من خلال بنية التكرار التي تمثل سيرورة الحدث الواقعي مكررا :
حسن : هذه الحرب اللعينة فيلم مكرّر في سينما النصر …
ينفتح السرد على شخصية (جلال) بوصفها البطل الذي يجد قوته من خلال الاخر، حبيبته (احلام) التي تخرجه من أتون الواقع ورطانته، فضاء بيت (جلال) المكرر بزوجة أميّة (نوال) واحتياجات أولاده (احتفال) و (سامر)، الزوجة التـي تعثر على قصاصة عشقيّة من كتابات زوجها لحبيبته (أحلام) لتقيم الدنيا ولا تقعدها فيفضّل (جلال) الارتباط بحبيبته ليُطلق زوجته ويتـرك أولاده ـ في لحظة أجدها قاسية أخلاقيا تصدر من البطل الروائي ـ ويترك البيت لطليقته وأولاده وأخيها ماجد، يطل (سعيد) الحاضن الابدي لنزوات وانفعالات صديقيه (حسن) و (جلال) بصبر (سيزيفي) على مرض زوجته ليطلق الحياة بمباهجها؛ لايجاد العلاج لها وتربية ولده الوحيد (احمد). (حسن) الصوت السردي الساخر بغرابة أطواره لايدع للقارئ فرصة ان يفكّر ولو للحظة في أنّه سيستقر اجتماعيا إلّا أنّ الحياة استقامت معه أكثر من الآخرين بسبب تعرّفه على (أنهار) صديقة أحلام التي تغيّر حياة (حسن) من شاب هامشي منبوذ الى عقل تجاري وتسويقي لافت، ولتهدأ روح الصعلوك (حسن) في الرواية بعد أن كان صوتها الصادح بامتياز في بدايتها ولتصدق مقولة (أراغون): المرأة هي مستقبل الرجل).

تجليات بنية التكرار
يستعير السارد (جلال) لحظة مقتل الزعيم (عبد الكريم قاسم) بوصفها تصفيةً وانهاءً للحظة الأمل والتحدي في التاريخ السياسي العراقي المعاصر، واسقاطها على الوقائع اليوميّة الحاضرة ليتوصل الى نتيجة مفادها أنّها عملية تكراريّة تحرّكها أذرع خفيّة لوأد نهضة البلاد وتقدمها، فلحظة قصف القوات البريطانية للمعسكرات والمطارات العراقية في انقلاب مايس عام 1941، وإعادة الوصي عبد الإله للسلطة، فيما عُرِفَ فيما بعد شعبيّاً (بدكة رشيد عالي) هي نفسها ـ حسب المؤلف ـ لحظة الهجوم الثلاثيني لما يعرف (بعاصفة الصحراء) على بلادنا لتحرير الكويت، واشتراع البطاقة التموينية في العراق ابان الحرب العالمية الثانية هي لحظة استعادية لبطاقة أخرى استجدت في مطلع التسعينيات، وخبر نهاية الحرب العراقية الإيرانيّة خبر مكرر كما يردد (حسن) سمعه ولن يصدقه، يريد السارد أن يوصل فكرة اساسية هي أنّ البنية الدائرية المغلقة والقاتمة هي الحاكمة في استنتاج واستشراف مستقبل البلاد، وما صورة غلاف الرواية التي تمثل (ساحة الفردوس) بدائريتها المطلّة على شارع الزعيم إلّا دلالة اضافية ساندة الى ما نرمي اليه في تحليل، وكما يردد (حسن) : هذه الحرب اللعينة فيلم معاد في سينما النصر. واستنساخ لحياة وضحايا سابقين كما الزعيم الذي ذهب قربانا وأضحية لآثام البشر، كما «تموز» في المثولوجيا العراقية ـ كما يعبر المؤلف ـ ويردد مع أحلام:
أحلام: نحن نعيدُ عقدة الزعيم فالكلُّ أراد التخلّص منه وهو لم يشعر بذلك؛ لأنّه ينطلق من أعماقه الطيبة …

تحولات سردية حادة
تقدم سردية (شارع الزعيم)في بناءات ذكية تحولات وانقلابات قيمية (اخلاقية) حادة نتيجة للتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تمر متسارعة في الرواية مابين الحرب العراقية الايرانية والحصار الاقتصادي والاحتلال الامريكي ، حيث السلطة ونكايتها وازدراءها بالمجتمع في فترة الحصار عندما تمتلئ شاشة التلفاز باعلانات عن (قاصات المشرق) والناس لا تملك شروى نقير ، او اعلانات مبالغ فيها عن صابون الحلبي او حسن قدح كأن الناس نجسين وقذرين لا يغتسلون ،في استكناه للمضمر والمسكوت عنه خلف حجب الاعلام الشمولي ، يستعين (عباس لطيف) بتقانات التأجيل والارجاء والتاخير لحسم مصير الشخصيات ولكن بمسارات متساوقة مع التحولات المجتمعية المصاحبة للمتغيرات السياسية ، اذ يتحول مدير المدرسة المرتشي والمتصابي (فاضل راضي) الى دكتور ومدير عام ورع في احدى تربيات العاصمة بعد العام 2003 يصدم مظهره (جلال) حين يقدم اوراقه للتعيين ، او تحول مزور للعملة في زمن الحصار (عامرسلمان) الى دكتور بالقانون الدولي مرشح للانتخابات تم التعرف عليه عن طريق صورة له رسمها (سعيد) الذي اخذ يرسم الوجوه الجديدة بملامح الوجوه القديمة ، وتهديد (جلال)و(احلام) بوضع رصاصتين في ظرف لاخلاء المنزل المستاجر الذي يسكنونه لاخافتهم ليهربوا الى سوريا ، يتضح فيما بعد ان المهدد هو ولده (سامر) وخاله (ماجد) وليس ميليشيا طائفية او (عدنان ) اخو(نهى) زوجة (سليم) اخي (احلام) التي ضغطت على زوجها لبيع بيت الاب في شارع الزعيم الذي تسكنه (احلام) وامها ، مفارقات درامية عديدة تعكس انهيارات البنية الاجتماعية بفعل المتغيرات السياسية والاقتصادية التي هزت المجتمع العراقي بفواعل الارهاب الوافد والارهاب المستبطن ، كجرح الشرطي احمد بن سعيد بعد انفجار سيارة مفخخة قضت على الدورية بكاملها ليسجل احمد في سجل الوفيات وهو مازال طريح الفراش يعالج في بيته من اثار جرح بسيط .