آرثر رامبــو أنا كينونة الآخر. إذا استيقظَ النُّحاسُ بُوقاً، فلا ذنب له

ترجمة وتقديم : شاكر لعيبي

رامبو: شاعر فرنسـيّ (1854 – 1891). فلنتجاوز تقديم حياة رامبو المعروفة على نطاق واسع، ولننظر في رؤيته للشعر، ونستعيد رسالته من مدينة شارلفيل إلى الشاعر والناشر ديميني المؤرخة في 15 أيار 1871 التي تُشكّل مفصلاً مهماً في سياق الكتابات القليلة التي تناول رامبو فيها مفهوم الشعر.

فمن هو بول ديميني؟ هو شاعر فرنسيّ من أصل بلجيكيّ، ولد في دوي في 8 فبراير 1844 وتوفي في أركوي في 30 نوفمبـر 1918، وكان مُقرَّباً من آرثور رامبو وفيكتور هوغو. بعد أن استقرّ في باريس، أصبح ديميني مديراً مشاركاً في مكتبة فنية حيث نشر عام 1870 أول مجموعة من أشعاره المعنونة (جامعات الأغراض [أو اللاقطات] Les Glaneuses). شارك عام 1878 في تأسيس المجلة الأدبية (لا جون فرانس La Jeune France) وريثة مجلة بالعنوان نفسه تأسست عام 1861. نشر خلال مسيرته العديد من المجاميع الشعرية إضافة إلى التكييفات الشعرية للمسرح.
إذا كان تاريخ الأدب قد احتفظ باسمه، فذلك خاصة بسبب استلامه لمجموعة (كرّاسات دوي Cahier de Douai) التي كتبها رامبو في السادسة عشرة من عمره، و”رسالة الرائي الثانية” الشهيرة الموجهة إليه من قبل رامبو (ليس من دون بعض التهكم الرامبويّ غالباً). الأخيرة، وهي تعتبر بياناً شعرياً وتحمل أفكاراً ثورية ورديكالية بشأن الشعر بقيت من دون ردّ من طرف ديميني، وفي ذلك دلالة. كان رامبو يزدري شعر ديمينـي الأمر الذي لم يمنعه من التعاطي معه ناشراً. بعض النقّاد الفرنسيين يعتقدون أن هذا الازدراء هو محاولة من رامبو لتغطية اقتراضه الشعريّ العابر منه، ويذكرون أنهم في الواقع يرون أن مقاطع من قصيدة ديميني “تشوُّهات Anomalies» المنشورة في ضمن مجموعته أعلاه تتردد أصداؤها في شعر رامبو، وهي كلها تبدأ بعبارة “رأيتُ”، حتى أن بيتاً فيها يمكن أن يشير إلى “المركب السكران”، فضلا عن قصائد أخرى لـ “رامبو”، يذكر أولئك النقاد.
أما مجموعة رامبو (كرّاسات دوي) – والمقصود بذلك مدينة دوي الفرنسية التي تقع في شمال شرق البلاد بالقرب من حدود بلجيكا. والتسمية يستخدمها بشكل خاص الناقد الأدبيّ الفرنسـيّ بيير برونيل، وكان رامبو في السادسة عشرة، ويجمع قصائدها أنها مكتوبة اثناء إقامة الشاعر في دوي، سبتمبر وأكتوبر عام 1870. وهي على شكل مخطوطة مكتوبة بخط اليد بدون عنوان عهد بها رامبو إلى بول ديميني للنشر. ومن المحتمل أن تكون هذه القصائد الـ 22 مكتوبة بين مارس وأكتوبر عام 1870، وهي مقسّمة إلى كرّاستين تتكوّن كل واحدة منهما على التوالي من 15 و 7 قصائد.
وفي السياق أن رامبو بعد هروبه الأول، بيـن 29 أغسطس – 5 سبتمبر عام 1870، كان قد اسْتُقبل من قبل أستاذ البلاغة في مدرسته الثانوية جورج إزامبار. وتم استضافته حوالي 15 يوماً في مدينة دوي لدى خالة الأستاذ، الآنسة غيندر. وعلى أمل نشر مجموعة (كرّاسات دوي) قام رامبو بتأريخ 26 أو 27 سبتمبر 1870 بإيداع الحزمة الأولى من 15 قصيدة لدى بول ديميني. ثم أفاد رامبو من الإقامة الثانية في أكتوبر في دوي، بعد هروب ثانٍ، لتسليم ديميني سبع قصائد جديدة. وكتب له في وقت لاحق: “أحرقها، أودّ ذلك، وأعتقد أنك ستحترم إرادتي مثل إرادة شخص ميت، أحرق كل القصائد التي كنت أحمق بما فيه الكفاية لأسلّمك إياها أثناء إقامتي في دوي”. لحسن الحظ لم يفعل ديميني ما طلب منه. لا تُعرف خمس قصائد لرامبو إلا عبر هذه المجموعة. باع ديمينـي المجموعة إلى رودولف دارزين Rodolphe Darzens، أول كاتب سيرة للشاعر (الذي لم يكن يعرفه). ثم انتقلت على التوالي إلى الناشر ليون جينونسو، ثم بيير دوز وأبناء ستيفان زفايغ الذين اشتروها في مزاد في فندق دروو عام 1914 وأبقوها حتى وفاة زفايغ عام 1942 في البرازيل. وقد تنازل عنها أصهار زفايغ إلى المكتبة البريطانية في لندن عام 1985 حيث لا تزال موجودة حتى اليوم. تمّ نشر هذه القصائد في الأثناء بنسخة طبق الأصل. ثم طُبعت مرات عدة.
اليوم أصبح بول ديميني، شاعراً، منسياً تماماً. ومع ذلك فقد حصل على تقدير معين في وقته. كان بول ديميني شقيق جورج ديميني الذي يُعتبر أحد مخترعي السينما.
هنا محاولة في ترجمة بعض أفكار رامبو، وفق قراءتنا له.

«الشاعر يصير رائياً عبـر خلخلةٍ طويلةٍ، هائلةٍ ومنطقيةٍ لجميع الحواس».
منطقية raisonné تُرجمت مرة متعقِّلة. ومعناها متأسّسة على أساس منطقيّ، حجاجيّ، استدلاليّ.
°°°°°°
«الدراسة الأولى للإنسان الذي يريد أن يكون شاعراً هي معارفه الخاصة».
من رسالة إلى ديميني في 15 أيار 1871.
°°°°°°
«الشعرُ لا يمنح العمل إيقاعاً، إنه يمضي قُدُماً قبله».
رسالة إلى بول دوميني. العمل أو الفعل.
°°°°°°
«العالَم كبير جدّاً ومليء بالجهات الرائعة التي لن تكفي حياة ألف إنسان لزيارتها».
رسالة مؤرخة بـ 15 كانون الثاني 1885.
°°°°°°
«أقوى من الكحول، أوسع من قيثاراتنا، اختمرتْ صُحبة الحبّ المُرَّة».
°°°°°°
«الصراع الروحيّ كفظاظة التقاتُل البشريّ».
°°°°°°
«منذ اللحظة التي تُمْتِعُنا فيها متعة الآخرين، فإن المشاعر الطيبة تصير مشبوهة».
°°°°°°
«ما يجعل الحياة مثيرة للاهتمام هو بالضبط إمكانية تحقيق حلمٍ ما».
°°°°°°°
«الشعر القديم كله ينتهي إلى الشعر اليونانيّ. حياة متناسقة. من اليونان إلى الحركة الرومانسية، فالعصور الوسطى، هناك أدباء، ونَظْم [وزنيّ]. من إنيوس Ennius إلى ثيرولدوس Théroldus ، من ثيرولدوس إلى كاسيمير ديلافيـن Casimir Delavigne ، كل شيء نثر مقفى، تَرَهُّلُ ومجدُ أجيالٍ حمقاء لا نهاية لها: راسين هو الأصفى، الأقوى، الكبير. كان بالإمكان التذمُّر من قوافيه، وتشويش أشطار [أبياته]، حتى أن [هذا] “الأحمق الإلهيّ” سيكون مجهولاً اليوم كالقادم الأول، مؤلف “الأصول Origines «. – بعد راسين ، تعفّنت اللعبة. واستمرت ألفي سنة!».
(…..)
لم يتم الحكم على الرومانسية على الإطلاق، من سيحكم عليها؟ النقّاد! الرومانسيون الذين يثبتون جيداً أن الأغنية نادراً ما تكون عملاً l’œuvre ، أي فكراً مُغنـَّى ومفهوماً من [طرف] المُغنِّي؟

أنا كينونة الآخر. إذا استيقظَ النُّحاسُ بُوقاً، فلا ذنب له. هذا بديهي بالنسبة لي: أشهدُ انبثاق فكري: أنظرُ إليه، أستمعُ إليه: أقومُ بإطلاق سحبة قوس [في الكمان]: السيمفونية تخلق اهتزازها في الأعماق، أو أنها تقفز قفزة وسط المشهد.
إذا لم يلتقِ البلهاء القدماء بالأنا إلا بدلالة خاطئة، فلن نضطر إلى التخلّص من تلك الملايين من الهياكل العظمية التي، منذ وقت لا نهائيّ! راكمتْ منتجات ذكائها الأعور، وهي تعلن عن نفسها مؤلفة [له]!
في بلاد اليونان، قلتُ، أبيات [الشعر] والقيثارات تَسِمُ الفعلَ بالإيقاع. بعد[ئذ]، فإن الموسيقى والقوافي هي ألعاب واستجمام. دراسة هذا الماضي تسحر الفضوليين: كثيرون يُسْعدون بتجديد هذه التحف [الأثرية]: بالنسبة لهم، لطالما ألقى الذكاء العالميّ أفكاره بشكل طبيعيّ. التقطَ البشرُ بعضاً من فاكهة الدماغ هذه: وقع التصرُّف وفقها، كُتبت الكتب: هكذا كانت تتقدّم المسيرة، الإنسان الذي لا يشتغل، لم يستيقظ بعد، أو هو ليس بعد في امتلاء الحلم العظيم. موظّفون رسميون وكُتّاب: [أما] المؤلف والمبدع والشاعر، فإن هذا الإنسان لم يكن موجودًا أبداً!
من رسالة إلى ديميني في 15 أيار 1871.
°°°°°°°°°°
«[الجيل] الثاني من الرومانتيكيين رائون جداً: تيوفيل غوتييه ولوكونت دو ليسل وتيودور دو بانفيل. لكن معايَنة اللامرئيّ وسماع المجهول هما شيئان آخران [مختلفان] عن استعادة روح الأشياء الميّتة، بودلير هو الرائي الأوّل، مَلِكُ الشعراء، ربٌّ حقيقيّ. مع ذلك عاش في وسط فنيّ للغاية، فيه الشكلُ [الفنيّ] بالغ التبجُّح إنما هو تافه: إن اختراعات المجهول تتطلّب أشكالاً جديدة».
من رسالة إلى ديميني في 15 أيار 1871. كلمة تافه هي الفرنسية ذات الأصل العربيّ mesquine مسكين، التي تُستخدم بمعنى من لا يمتلك العلو والنبل. رائون = Voyants.
«الشاعر هو حقاً سارق النار. هو المكلَّف بالبشرية، وحتى بالحيوانات. عليه أن يشعر ويتلمّس ويستمع إلى اختراعاته».
من رسالة إلى ديميني في 15 أيار 1871.
°°°°
«أعْرِف اليوم أن أرحّب بالجَمال».
°°°°°°
«سيكون للفن الأزليّ وظائفه كما الشعراء [الذين] هم مواطنون. الشعرُ لن يُخْضِع الكلمةَ للإيقاع بَعْدُ، سيكون سَبّاقاً».
من رسالة إلى ديميني في 15 أيار 1871. (الكلمة) حتـى وأن لم تَرِدُ بالحرف التاجيّ (الكبير) فهي تحيل في كتابات كثيرة، في ظني، إلى جوهر التعبير المعروف (في البدء كان الكلمة) أي الكلمة التي نشأ الخلق منها، الكلمة – الخلق، الخلق والإبداع.
°°°°°
«ورأيتُ مراتٍ ما ظنَّ الإنسانُ أنْ قد رآه!».
°°°°°°
«تركتني الأنهار أنحدرُ حيثما كنت أشاء».
°°°°°°
«ذات مساء، أجلستُ الجَمالَ على ركبتيّ، فوجدتُه مُرّ الطعم، وأهنتُه».
°°°°°°°
«لقد اخترعتُ ألوان حروف العلة! – A أسود، E أبيض، I أحمر، O أزرق، U أخضر – كنت أقوم بتنظيم شكل وحركة كلّ صائتٍ، وتباهيتُ، بإيقاعات غريزية، بابتكار كلمةٍ شعرية [ستكون] في متناول جميع الحواس في يوم من الأيام. كنت أدّخِرُ الترجمة».
ألوان بالمفرد في النص.
°°°°°°°°°
«للشيخوخة الشعرية نصيب وافر في خيميائيات كلمتي».
أما ترجمة رمسيس يونان فهي “وكان للصيغ الشعرية القديمة نصيب في كيمائي اللغوية”، لكن alchimie هي خيمياء، العلم القديم السحريّ، وليس الكيمياء. انظر كذلك الملاحظة نفسها أعلاه بشأن دلالة (الكلمة).
°°°°°°°°°°°°°°°°°
«كنتُ أكتبُ الصمتَ والليالي، أوثّقُ ما يتعذّر إيضاحه. أُسَمِّرُ الدوار».
من (فصل في الجحيم).