عواد ناصر
أظن أن أول من نطق من البشر قال: أنا لغتي!
وظني ينشأ من أن اللغة، أياً كان مكانها وزمانها، هي لغة الناطق بها، صوتاً أو إشارةً أو رسماً.
يذهب بعض الباحثين إلى أن اللغة غريزة تفرضها حاجة ذاتية للتعبير أو الحوار أو الثرثرة بمواجهة الطبيعة القاسية، الغامضة، المجهولة للأجداد الموغلين في التاريخ أو المغفلين على وفق مقياس غرورنا الحضاري اليوم.
لا أحد من اللسانيين واللسانيات يقطع بعيد ميلاد اللغة أو صرختها الأولى وهي تنبثق بين أحراش توخز وغابات تنفتح وتنغلق أمام أولئك الاجداد الموغلين في القدم.
قيل إن اللغة انبثقت بدافع أحد شعورين، أو كليهما: الخوف والدهشة.
وأقول، وأنا لست باحثاً لغوياً، إنها انبثقت بفعل الألم، قبل كل شيء.
لماذا؟
لأن الخوف يأتي تالياً، وكذا الدهشة.
جدي الأقدم وهو يتلمس طريقه، خارج كهفه الرطب والمعتم، أطلق: آخ، لا إرادية، بعد أن وخزته شوكة في إحدى قدميه، أو خدشه غصن مكسور في إحدى كتفيه.
لكن جدنا آدم تعلم الأسماء كلها، ولَم يقل لنا كيف، ومن هو معلمه، والله، حسب الكتب السماوية، كان يجيد أكثر من لغة إذ أرسل لعباده ثلاثة كتب بثلاث لغات مختلفة!
.. ولأن الألم، وازعاً أولَ، للتعبير وإطلاق «الآخ» بشكل لا إرادي، تطوع ذلك الجد الأقدم فنقل اللغة من الصوت إلى الإشارة وعلق على جذع شجرة مجهولة النوع رسماً على حجرة ينبه فيه أقرانه إلى خطر ما، ليجنبهم الألم.
طوبى لجدي الأقدم الذي نقل اللغة من الصوت إلى الإشارة لينبه الآخرين ويحذرهم، فمنه بدأت اللغة كإشارة لحماية النوع البشري من الألم، وغاية كل كتابة خيّرة، اليوم، هي حماية الناس مما يؤلمهم.
تعلمت لغتي العربية الفصحى من القرآن، أكثر مما تعلمتها من المدرسة.. كنت أحصل، غالباً، على أعلى الدرجات في المدرسة، لكنني فوجئت بعد امتحان البكلوريا، في الثانوية الجعفرية المسائية، بأنني حصلت على أعلى الدرجات في الإنگليزية (96%) والعربية (83%) وهذا ما رفع معدلي النهائي، إذ كانت درجاتي في دروس العلوم الأخرى متدنية إلى حد ما.
كان تلفزيون العراق يعرض، عند افتتاحه مساء، آياتٍ من الذكر الحكيم بأصوات أشهر وأعذب المقرئين، آنذاك، الشيخ الحصري وعبد الباسط والشعشاشي وأبي العينين شعيشع والحافظ خليل إسماعيل، وأصواتهم مصحوبة بصورة تلفزيونية لصفحة ما يتلونه من القرآن، أي ثمة صورة للصوت، وهو نوع من الإشارة للصوت ما علمني النطق السليم وأسباب النحو العملي، قبل النظري، لاحقاً،
.. وقتها شعرت بأنني كائن لغوي بالمعنيين: لغوي (بفتح الغين وسكونها).
بحلول بداية السبعينات صدر كتاب مهم عنوانه «الأصوات والإشارات» لباحث ألسني روسي (سوڤييتي آنذاك) إسمه أ. كوندراتوف، والحق كان كتاباً ملهماً وممتعاً فقدته مع ما فقدت من وطن ومكونات ثقافية ولغوية.
ما أتذكره منه إن كوندراتوف كان يؤكد على الفيلولوجيا المحلية لكل شعب، ومن أمثلته: إن قومية هندية (هنود المايا) كانت تتعامل بلغة على غاية الاختصار بخلاف لغات العالم كله، مثل: بعد أن قرأوا الإعلان في صحف الحائط توجه المئات من أولئك الهنود لحضور المحاضرة.
يقول الإعلان:
«حضر الأستاذ توماس الرابع». فقط لا غير!
أما فحوى الإعلان بالكامل فهي: حضر الأستاذ توماس ليلقي محاضرته الرابعة، فندعوكم للحضور».
ثمة نكتة عراقية انتشرت في فترة السبعينيات نفسها تقول: إن إعرابياً من عراق تلك الفترة، اسمه حسين، أراد أن يرسل برقية لأهله ينبئهم بوصوله إلى محطة القطار ويطلب منهم إرسال فرس لحمله وحاجياته حتى قريته.
فاقترح عليه موظف البريد أن يختصر توفيراً لتكاليف البريد فاختصر.
لكن موظف البريد بدا أكثر بخلاً فاقترح على حسين أن يختصر أكثر فما كان من حسين إلا أن كتب برقيته بشكلها النهائي والأخير غير القابل للاختصار: «فرس محطة حسين يركب».