إلى أين نمضي؟

ضياف البراق

لم أعد أذق النوم منذُ أيام، وما زلتُ أصحو على أخبارٍ فارغة، أو تبدو لي مكررة، مملة، مقرفة.. أخبار كلها سيئة وصادمة. لعناتي على حظي التَعِس. في كل الأوقات، وفي كل الأماكن، الموت لا يفارقني. كافكا، كذلك، لا يفارقني.
ها هو يباغتني هذا الخبرُ السيئ: أحد الأصدقاء يذهب ضحية (لغم) غادِر في شارع فرعي يقع على أطراف المدينة. يا له من خبر مُفرِح! أخيراً، نجا صديقي الخائب.. نجا من عذاب الأيام القادمة. لا غرابة، فحياتنا كلها ملغومة، ومليئة بالأشباح!
كذلك، يباغتني خبْـرٌ أسوأ من ذي قبل: امرأة طيبة، في مكان آخر، يضربها زوجها على نحو همجي حتى فارقت الحياة. لماذا يظلمون النساء؟. المجد لكل النساء، في كل الأرض.
المجتمع الذي لا يحترم المرأة أو لا يحمي حقوقها، هو الآخر، لا ينهض، لا يرتفع، ويظل، دائماً، خارج التاريخ.
كلما تذكرتُ حادثة اغتيال الروائي – العراقي، علاء مشذوب، صاحب رواية «جريمة في الفيس بوك»، وغيرها من الأعمال الرائعة، وهي أعمال كثيرة ومتنوعة؛ يخنقني الألم الشديد، كما أنني أفقد القدرة على الكتابة. إن الشعوب التي لا تحترم مبدعيها ومفكريها أو لا تدافع عنهم، يستحيل عليها النهوض والتطور، ومثل هذه الشعوب تظل، دائماً، خارج التاريخ.
إنه لمؤلم جداً، اغتيال الضوء!
للأسف، كل الأسف، لقد أصبح الموت في بلادي أقوى من الحب والحرية. مع ذلك، لستُ يائساً أبداً، ولستُ أشعر بأي أمل.
فجأةً، أشعر بأنني سأموت بعد لحظات إذا لم أخرج فوراً من هذه الغُرفة القذرة. إنها غُرفة تَعِسَة، غير مرتبة، مكتظة بالكتب، والمجلات، وتفاصيل حياتي اليومية، هذه التفاصيل الباعثة على اليأس والضجر. ها أنا أخرجُ منها مُجبَراً، وأتجه نحو مقهى صغير في الحارة، وفي الطريق يسألني طفلٌ مجنون: أين الله؟. سؤاله الجريء صدمني! بمَ أجيبه؟ وكيف؟.. لا أدري. تجاوزتُ الطفلَ بابتسامة مصطنعة، ونجوتُ من فوضى السؤال. حدث هذا في الأمس.
متعصِّبون لله، فارغون من الإنسانية وحب الوطن. متعصبون حتى لأتفه الأشياء. أنانيّون، دائماً.. دائماً. أنا، أيضاً، متعصِّبٌ للموسيقى والسجائر، لكنني أخلو تماماً من الأنانية. الأنانية هي العدو الأخطر على حياة الإنسان. ما زلتُ أحسد الأغبياء على حظهم الجميل. لا حظ للأذكياء في هذا الزمن الوحشي. إن أكثر الناس إنسانية، هم العقلانيون، الأحرار.
تحية كبيرة لقائل هذه الكلمة الإنسانية العظيمة:» من أهان إنساناً، فقد أهانني».
ما أصدقها من كلمة! تحية لصاحبها، حيًّاً كان أو ميّتا.
في كثير من الأحيان، كلما فكرتُ بالانتحار، أسخر كثيراً من نفسي، ثم أسخر من هكذا فكرة غبية. نعَم، فكرة الانتحار فكرة غبية، لا يلجأ إليها إلا الجبناء، وأنا لن أكون جباناً ما دمتُ أؤمن بعظمة الحياة وأعشق الانتصار. أعزائي: لا تيأسوا.. فمَنْ يحب الحياة، حتماً سيحصد الانتصار.
أما ذلك السؤال المؤلم، فلا يزال قائماً: إلى أين نمضي؟