حسين الهنداوي
ظاهريا، يتميز المنظور العالمي لجان جاك روسو ( 1712 – 1778) بتناقض واضح يتجسد في الجمع بين مفهوم وحدة النوع الانساني ورفض التفوقية القومية او العرقية من جهة ومفهوم رفض الكوسموبوليتية من جهة اخرى. وهذا التناقض الملموس يجد جذوره في الاهمية المطلقة التي يعطيها روسو للفرد,او للانساني كفرد على وجه الدقة.
الانسان واحد ومتشابه في كل شيء وفي كل مكان وزمان. بيد ان ما يميز هذا الانسان التاريخي الملموس عن مثيله لكن المختلف عنه في المكان او الزمان، هو الوعي وبشكل خاص وعي الذات ووعي الحرية ضمن علاقاتها مع الآخرين الذين، ولاسباب قاهرة طبيعياً، لابد للفرد ان يعيش ضمنهم وبعلاقة معهم في اطار ما يسمى بالمجتمع. ويرى روسو ان هذا المجتمع كلما توسع كلما كان توسعه على حساب حرية الفرد لذلك كلما كان المجتمع صغيراً كان اصلح لازدهار الحرية الفردية. ومن هنا جاءت خصومته للكوسموبوليتية. بيد ان روسو يقر بان شروطا تاريخية وخارجية لعبت دورا لم يكن ممكنا التخلص منه ادى إلى خلق مجتمعات إلى هذه الدرجة او تلك من السعة. كل مجتمع منها امتلك خصائص محددة يشترك فيها افراده سواء على صعيد الثقافة واللغة او العادات والتاريخ او الروحية العامة والاخلاق وهذه جميعا هي التي تجعلنا نقسم الانسانية إلى امم قومية وشعوب متميزة بعضها عن الآخر. وهذا الواقع المتمخض ثابت وخارج ارادتنا إلى حد كبير ولابد ان نتعامل معه كما هو قائم.
اي ان مايجب البحث عنه هو كيفية تنظيم العلاقة بشكل امثل بين افراد هذا المجتمع او ذاك على حدة من جهة, وبين المجتمع كمجموع من جهة اخرى. وهذا التنظيم هو مهمة تقوم بها الدولة. لكن الدولة تختلف من مجتمع إلى آخر حسب الشروط الخاصة بكل منها. ولهذا فان روسو كان يطمع ان يقترح صيغة جديدة اكثر عدالة للدولة، مستخلصة من تاريخ جميع المجتمعات وتجاربها في هذا المجال. فصيغة الدولة التي يبلورها ينبغي او يفترض ان تصلح لجميع الشعوب كل في اطاره الخاص وضمن استقلاليته القومية والثقافية ودرجة تطوره التاريخي.
إن السياسة بالنسبة لجان جاك روسو هي فن تنظيم وادارة المجتمع المحدد والمحافظة على استمرارية وازدهار السلام داخله بين الافراد والجماعات المكونة له وتكييف التشريعات لجعلها تتطابق مع التغيرات التي يفرضها التطور التاريخي ومراقبة فعاليات الناس بشكل يسمح بضمان عدالة وفعالية المؤسسات. لكن السياسة هي ايضا فن تنظيم العلاقات الخارجية بين هذا المجتمع او ذاك والمجتمعات الاخرى الاجنبية. وهذا التنظيم الاخير لا يجب ان يكون في حقيقته سوى ترجمة او توسيعا لاطار الاول مع الاقرار المسبق بعدم امكانية اقامة دولة انسانية موحدة. اما السبب الذي يقدمه روسو لدعم ذلك فيقوم على القول بانه: ما دام من الصعب اصلا تحقيق مجتمع قومي نموذجي عادل فان اقامة مجتمع عالمي عادل هي مسألة اصعب بل مستحيلة، ما دمنا نعرف ان الامر لابد ان ينتهي بسيطرة امة على غيرها من الامم. وهذااليقين متأت هو ايضا انعكاسا ليقين اخر لكن ملموس وهو ان الدولة في المجتمع الواحد هي غالبا بيد فئة من الافراد دون باقي الفئات.
والحال ان ما يهم روسو هو سعادة الانسان وتحققه ايجابيا، اي اخلاقيا، بعيدا عن الاستسلام او القوة او الامر الواقع. ولكي تكون الدولة كفيلة بتحقيق ذلك ولكي تنجح فعلا في تنظيم كل شيء حول معنى القانون اي حول المصلحة العامة يجب عليها ان تكون قادرة على القيام به. وهذا لا يمكن حتى الان الا في اطار دول ومجتمعات محدودة الحجم نسبيا. فبالنسبة له ما من حب للانسانية باكملها قط، انما حب للانسانية ضمن اطارها المجزأ او المحدد كمجتمعات وامم. فالامة تبقى ميدان التجربة الممكنة للعقد الاجتماعي لانها لا تجمع بين مصالح «انسانية» متباينة او متناقضة. ويقدم روسو على هذا الاساس جملة من الدلائل التاريخية والدينية والثقافية التي تؤكد منظوره بعدم امكانية قيام “عقد اجتماعي” انساني شامل.
فمن جهة، على الصعيد الاقتصادي، يلاحظ ان الامم ظلت على الدوام ميالة إلى حصر الانشطة الاقتصادية والمبادلات داخلها وظلت قليلة الاحتكاك فيما بينها وبالفطرة. ومن جهة ثانية، نجد انعكاس هذه النزعة في الميدان الديني الذي يسميه بـ “خميرة الوحدة الروحية“ حيث يلاحظ ان الامة لا تغير ديانتها الا عند هزيمتها، والديانات التي انتصرت تاريخيا كانت دائما ديانات امم منتصرة عسكريا. ونفس الشيء بالنسبة للثقافة والاخلاق وغيرها. ومن جهة ثالثة يلاحظ روسو ان جميع الامم تميل إلى تشويه صورة ثقافات واديان واخلاق الامم المنافسة الاخرى التي لا تستطيع قهرها او السيطرة عليها.
لقد ذكرنا سلفا ان الاشارات التي ذكر فيها جان جاك روسو الاسلام اوالعرب او المسلمين اجمالا هي اشارات نادرة ومبعثرة وحذرة جدا. فهو لم يكن يريد الاعتماد على الروايات والمعلومات السائدة في الغرب من جهة منطلقا من موقفه اعلاه، اي ان الامم لابد ان تسعى إلى تشويه صورة الامم الاخرى المنافسة لها، وهو من جهة اخرى ونتيجة لذلك كان يتجنب اصدار احكام او تقييمات قاطعة تجعله يرتكب ذات الخطأ الذي ينتقده، اي تشويه الآخر، ولذلك نلاحظ ان معظم اشارته حول الاسلام تجيء دائما في سياق نقده لموقف الحضارة الغربية المسيحية من الحضارات الاخرى ومنها الحضارة الاسلامية.
وعموما، فهو يرى ان التطور التاريخي لكل مجتمع من المجتمعات هو تطور اصيل بالضرورة ومستقل بحد ذاته. وعليه فان الاسلام وجميع الاديان واشكال الحكم والاخلاق والثقافات التي ظهرت لدى هذا المجتمع او ذاك هي ظواهر مبررة ومعقولة بالنسبة لمجتمعها الخاص. اذ لا يوجد دين يناسب او يصلح للبشرية جمعاء كما لا يوجد شكل محدد يصلح لجميع الامم والمجتمعات والبلدان، كما كتب في الفصل الثامن من الكتاب الثالث في “العقد الاجتماعي” (ص147- 153)، حيث يقول روسو استنتاجا “إن الحرية هي ثمرة لا تنبت في كل المناخات وبالتالي فهي ليست في متناول جميع الشعوب… ان جميع الحكومات ليست من طبيعة واحدة” (ص 147-148).