حسين هنداوي
يرى جان جاك روسو ( 1712 – 1778) ان التطور التاريخي لكل مجتمع هو تطور اصيل بالضرورة ومستقل بحد ذاته. وعليه فان ظهور الاسلام يمتلك ضرورته التاريخية ومصداقيته العقلية بالنسبة لعالمه وعصرها الخاص تماما كالمسيحية واليهودية وغيرهما من ديانات العالم. وكما لاحظنا في مقال سابق يعتبر روسو ان الحرية هي ثمرة لا تنبت في كل المناخات وبالتالي فهي ليست في متناول جميع الشعوب… ان جميع الحكومات ليست من طبيعة واحدة، برغم تأكيده المطلق على وحدة النوع الانساني ورفض اي شكل من اشكال التفوقية القومية او العرقية او الجغرافية بين بني البشر.
وهكذا، واذا كانت الديانة المسيحية هي ديانة تلاؤم اوربا بشكل خاص، فان البوذية هي ديانة تلاؤم الصين بشكل خاص والهندوسية تلاؤم الهنود بشكل خاص وكذلك الحال بالنسبة لليهودية والاسلام. فالدين الاخير مبرر تاريخيا وانسانيا من وجهة نظر روسو بالقدر الذي يجد فيه العرب والشعوب الاسلامية الاخرى تلبية لنزوعهم الذهني وحاجتهم الروحية. وهذه التوزيعات تنبع برايه من اسباب بعضها طبيعي – جغرافي وبعضها الآخر تاريخي – ثقافي وبعضها الثالث بيئوي – مناخي. اي ان روسو يتبنى هنا بشكل صريح نظرية العلاقة بين الخيار السياسي والحضاري لشعب ما وبين المناخ والظروف الطبيعية للارض التي يعيش عليها ذلك الشعب. وقد اعترف بذلك مرارا في “العقدالاجتماعي” كما في الفصل الحادي عشر من الكتاب الثاني مثلا. (ص 117).
طبيعة المناخ والارض الخاصة بالجزيرة العربية هي التي انتجت الاسلام برآي روسو، وهي التي حددت مجمل عقائد هذا الدين واهدافه الروحية والاخلاقية الخاصة به. كما حددت طبيعة الدولة التي قامت في العالم الاسلامي اي التي تربط بين السلطتين الدينية والسياسية، كما يرى روسو وقبله وبعده معظم المفكرين الغربيين منطلقين من فكرة ان الخليفة في الاسلام يجمع بين هاتين السلطتين على الدوام. يقول روسو في ما يتعلق بتلك العلاقة بين الارض والمناخ من جهة والدين من جهة اخرى اذ يقول:
“ان المواضيع العامة في كل نظام سياسي جيد ينبغي ان تتغير في كل بلد عبر العلاقات المتولدة عن كل من الوضعية المحلية وخصائص السكان ويجب على اساس هذه العلاقات اختيار النظام الخاص الذي يناسب كل شعب والذي هو النظام الافضل له، ليس ربما الافضل بحد ذاته انما الافضل بالنسبة للدولة المخصص لها. فعلى سبيل المثال اذا كانت الارض قاحلة مجدبة او كانت البلاد ضيقة جدا بالنسبة لسكانها ينبغي الانصراف الى تطوير الصناعات والفنون التي يمكن مقايضة منتجاتها بالمنتجات الزراعية الضرورية غير المتوفرة. وعلى العكس من ذلك، اي اذا كانت هناك سهول وسفوح غنية وخصبة وكانت الارض طيبة والسكان قليلين، عندئذ يجب توجيه كل الاهتمامات والطاقات نحو الزراعة لان ذلك يسمح الى تكاثر السكان ويجب بالمقابل تقليص الاهتمام بالاعمال الصناعية والحرف التي تودي الى تفريغ البلاد من سكانها القليلين اصلا او تركيزهم في مناطق صغيرة محددة وترك الباقي. واذا كانت البلاد متكونة من شواطيء ممتدة وصالحة الاستعمال عندئذ يجب ملء البحر بالسفن وتوجيه الاهتمام نحو الاعتناء بالملاحة والتجارة لان ذلك وحده ما يكفل لتلك البلاد حياة مزدهرة . واذا كانت البلاد صخرية وعرة والبحر لا يصلح للملاحة يظل السكان همجا يعيشون على عطاء البحر مادام ذلك يضمن لهم حياة هادئة ومريحة ربما وسيكونون سعداء بالتأكيد. وباختصار فان كل شعب، الى جانب الامور الاساسية المشتركة بين الجميع، يجد في ذاته ما يضمن تنظيم حياته الخاصة ويجعل تشريعه الخاص مناسبا له وحده. وعلى هذا الاساس كان اليهود في الماضي والعرب في ما بعد يجدون في الدين هدفا رئيسيا لهم. في حين كانت الاداب هي هدف الاثينيين والتجارة هدف القرطاجيين وسكان صور، والملاحة هدف سكان رودوس والحرب هدف شعب سبارطة والفضيلة هدف لروما. ولقد بين مؤلف “روح القوانين” لمونتسكيو عدداً من الامثلة عن دور المشرع في توجيه نظام شعب نحو هذا الهدف او ذاك من الاهداف المذكورة. (روح القوانين ص 117-116).
لكن روسو يرفض جوهريا فكرة مونتسكيو التي تربط بين الاستبداد والروح الاسلامية ربطا سببيا. فبالنسبة له ان كل شريعة تهدف بحد ذاتها الى تحقيق العدالة ولذلك يقبل بها الافراد. والاسلام لايشذ عن هذه القاعدة. لكن كل شريعة بالمقابل يمكن ان تتعرض للتجاوز من قبل الملوك والحاكمين وعندئذ يتحول الحكم الى حكم استبدادي تعجز عن ايقافه عند حد. وبهذا المعنى فان كل التشريعات لهذه النتيجة في فترة او اخرى. يقول روسو:
“ان الحكومة لاتغير شكلها ابدا الا عندما يصبح مصدر قوتها قد استنفذ، اذ عندئذ تصبح ضعيفة ومن غير الممكن المحافظة عليها. وقد تضعف ايضا بسبب الامتداد حيث تصبح قوتها معدومة وقدرتها على البقاء قليلة. وعندئذ لابد من تجديد مصدر طاقاتها والا فان دولتها ستتحطم وتنحل وان تحطم الدولة يجري على منوالين في نظره:
الحالة الاولى: عندما يكف الامير عن حكم الدول طبقا للقوانين ويتحول الى مغتصب للسلطة السياسية ويصبح المواطنون العاديون مرغمين على الطاعة وليسوا ملتزمين بها. فان النتيجة اللاحقة لهذه الحالة هي ان الملك يضع نفسه فوق القوانين ويتحول الى مستبد اي الى فرد يستأثر بالسلطة دون مبالاة بالعدالة والقوانين.
الحالة الثانية: هي عندما يقوم كل من اعضاء الحكومة منفردا باغتصاب السلطة في مجاله فيمارسها مع الآخرين كهيئة. ان هذه الحالة تقود الى اشاعة الفوضى وتحول السلطة الى غوغائية واوليغارشية وتحول كل حاكم الى طاغية في مجاله ضاربا القوانين والشرائع، وهذه الحالة تؤدي الى المزيد من الفوضى والى الخراب العام”. (العقد الاجتماعي، الفصل العاشر من الكتاب الثالث، صفحة 157).
من هذا المنطلق، يرفض روسو منظورات بعض المفكرين الفرنسيين مثل مونتسكيو، الذين حاولوا تفسير حالة الفوضى التي كانت تعاني منها بعض مناطق العالم الاسلامي، عبر ربطها واسبابها بالاسلام كدين وشريعة. اما بالنسبة له فالاسلام كدين وكشريعة كان مصدر قوة للدولة الاسلامية ما دام المسلمون كانوا ملتزمين بتعاليمه وتشريعاته ولكن عندما جرى الابتعاد عن هذه التعاليم والتشريعات، راحت الفوضى تسود الشرق الاسلامي ودوله. بل يؤكد روسو ان مبادئ الاسلام متفوقة على مبادى الديانات الاخرى بما فيها المسيحية في تقديم الطاقة والقوة اللازمة للدولة شريطة استمرار سيادة روحية هذه المبادئ. اذ يقول روسو انه في العالم المسيحي: “ولما كان يوجد دائما أمير وقوانين مدنية (مستقلة عن الدين)، فقد نتج عن هذه الحالة من السلطة المزدوجة، ان كل سياسة صالحة اصبحت مستحيلة في الدولة المسيحية اذ لم يستطع الناس معرفة الى من يجب عليهم ان يوجهوا التزامهم وطاعتهم: هل الى الامير ام الى الكاهن».
ولذلك فقد ارادت شعوب كثيرة حتى في اوربا وفي جوارها ان تحتفظ بالنظام القديم “السابق على المسيحية” او العمل على اعادته ولكنها لم تستطع تحقيق نتيجة كبيرة في هذا المجال لان الديانة المسيحية جلبت كل شيء. وظلت العبادة المقدسة دائما او عادت الى طابعها المستقل عن صاحب السيادة. اما محمد فقد كانت لديه نظرات صائبة جدا في هذا المجال. فقد احسن ترصين نظامه السياسي جيدا. وما دام شكل الحكومة التي اسسها وطورها قد استمر ساريا في ظل خلفائه، فان تلك الحكومة كانت واحدة موحدة تماما وبالتالي صالحة. ولكن حين اصبح العرب يعيشون في حياة مزدهرة حضاريا وثقافيا وسياسيا فقدوا روح البطولة واصابهم التحلل والجبن ما سمح للبرابرة النجاح باخضاعهم. وعندئذ بدأ الانقسام داخل السلطة بالظهور من جديد. وعلى الرغم من ان ذلك الانقسام بين المسلمين ظل اقل بروزا وقوة مما لدى المسيحيين، فانه موجود لديهم في كل مكان الآن وخصوصا لدى شيعة علي. ولهذا فاننا نجده مستمر في الظهور في بعض دولهم كما لدى الفرس مثلا» كما جاء في العقد الاجتماعي (الفصل الثامن/ الكتاب الرابع صى 212).
وهذا المنهج في نقد المواقف التقليدية الغربية من الاسلام نجده في اكثر من كتاب لروسو وليس في «العقد الاجتماعي» وحده. ففي كتابه المعنون «مقالات حول العلوم والفنون» يتطرق جان جاك روسو الى الحادثة غير الثابتة تاريخيا لكن الشائعة جدا في كتابات المؤرخين والمفكرين الغربيين ورجال الكنيسة في اوربا والتي تقول بان المسلمين عند فتحهم مصر واحتلالهم لمدينة الاسكندرية قاموا باحراق مكتبتها العريقة والشهيرة والتي كانت في الاسكندرية وذلك لانهم كانوا يحاربون كل العلوم السابقة لا سيما الاغريقية مهما كانت متطورة مكتفين بالقرآن, فعلى هذه الرواية التي لا يستطيع روسو نفيها او التأكد منها يرد بما يلي ساخرا من استخدام المؤسسة الدينية والثقافية الكنسيتين لهذه الرواية لتبرير عداءها للاسلام حيث كتب روسو: «يقولون بان الخليفة عمر جاءه آنذاك من يطلب رأيه حول ما يصنعه المسلمون بمكتبة الاسكندرية، فاجابهم عمر قائلا (اذا كانت الكتب التي تضمها هذه المكتبة تتضمن اشياء تتعارض مع القرأن فانها سيئة وغير صالحة ويجب احراقها. اما اذا كانت لا تتضمن الا امورا تتفق مع العقيدة القرآنية فيجب احراقها ايضا لانها تظل سطحية وبلا فائدة ما دام القرآن موجوداً)!. ان علماءنا يذكرون هذا المنطق للدلالة على الحماقة القصوى. لكننا في الواقع، اذا تخيلنا البابا غريغوار الكبير مكان عمر والانجيل مكان القرآن، فان مكتبة الاسكندرية كانت ستحرق مع ذلك ايضا، ولأصبح حرق تلك المكتبة عندئذ واحدا من اروع الاعمال التي قام بها ذلك البابا الشهير». !
وضمن نفس المنهج التحليلي يؤكد روسو في كتابه «اميل او التربية» ان الصورة المرسومة في الغرب عن الاستبداد المسمى «التركي»، اي الاسلامي، هي صورة مبالغ ببشاعتها، منبهاً الغربيين الى استطاعة المسلمين بالمقابل ان يقوموا، هم ايضا، برسم صورة بشعة عن الغرب والمسيحية، كما يذكرهم بان جميع القوى المتخاصمة والمتنافسة تنهج هذا النهج لتستطيع المقاومة والصمود بوجه الآخر لتتمكن بعدئذ من دحره».