نجم والي
المرة الأولى التي عرفت فيها وبقوة، أن المكان الذي أقيم فيه، وأن ما يطلق عليه الآخرون كلمة وطن، هو اللغة التي أكتب فيها، حدث ذلك قبل قرابة 15 عاماً، في 9 أبريل 2003 بالضبط، عندما اختفى الديكتاتور بين ليلة وضحاها من بغداد، وأصبحت المدينة والبلاد كلها مستباحة من المارينز، بعد 37 عاماً من مغادرتي العراق إلى المنفى، وبعد يأس من رحيل الديكتاتور، سمعت الخبر وأنا أنزل من القطار القادم من هامبورغ إلى برلين، كنت في طريق إلى حوار في التلفزيون الألماني، في تلك اللحظة تجمدت في مكاني، في المحطة، وتساءلت مع نفسي: ماذا الآن يا نجم؟ من أين يبدأ المنفى، من أين تبدأ البلاد، كأن النقطة تلك التي وقفت عندها كانت هي الوطن الجديد، ولو كان بإمكاننا صناعة الأوطان، لأخترت تلك البقعة الصغيرة من محطة قطار برلين، لأنني كنت على يقين، فيما خصني، أن كل ما سيبدأ خارج تلك البقعة التي سمعت فيها خبر رحيل الديكتاتور هو بداية لمنفى من نوع جديد.
لا أدري، أنه شعور غريب، في الأوديسة نعرف أن المنفى طريق باتجاه واحد، من يغادر ذات مرة، لن يعود كما كان هو في لحظة الخروج، الوطن الذي تركه وراءه تغير، من صيغة المؤنث الجمهورية العراقية إلى المذكر جمهورية العراق، هو نفسه تغير، الناس تغيرت، حتى أهله لم يعودوا هم الذين عاش بين أحضانهم ذات يوم…. في ذلك اليوم عرفت وبعد هذا العمر والإقامة الطويلة خارج الحدود، عرفت أن الوطن بمعناه الجغرافي، بتعريفه السياسي، هو وهم صنعه الإنسان لنفسه، وأن اللغة هي الوطن الحقيقي للمرء، «حيث أكون تكون اللغة الألمانية»، قال ذلك يوم صاحب النوبل الألماني توماس مان من مكان إقامته في منفاه في كاليفورنيا، ومن طرفي أقول، «حيث أكون، تكون اللغة العربية بصيغتها العراقية، تكون البلاد»، الإقامة باللغة كوطن، خاصة في تلك الفترات التي يتحول فيها الوطن إلى معسكر اعتقال، إلى مزرعة حيوانات كما في الرواية التي حملت نفس العنوان للبريطاني جورج أورويل، ربما ذلك ما جعل توماس مان لم يعد بعد تحرير المانيا من النازية ورحيل هتلر، بقي حتى وفاته في المنفى، ربما هذا هو نوع من العزاء لنا نحن المنفيين، اللغة كوطن بديل لبلاد فقدانها ونفقدها كل يوم.
ككاتب كان لابد وأن يواجهني هذا السؤال في المنفى، بأية لغة عليك أن تكتب الآن؟ هل ستكتب بالألمانية لغة البلاد الجديدة التي احتضنتك، كما فعل العديد من الكتّاب الأجانب، أم تكتب بلغتك التي نمت معك ورضعتها مع قطرة الحليب الأولى من ثدي الأم؟ أعرف حذلقات البعض من زملاء الإقامة في المنفى، وهم يلحقون الحجة تلو الحجة، لماذا انتقلوا للكتابة بلغة غير تلك التي تعلموها أصلاً، بعضهم حتى لم يمر على إقامته خمس سنوات أو ربما أقل، ولا يهم صدقها من زيفها، لم تكن جميعها مقنعة لي، اللغة في النهاية بالنسبة لي، ليست نحواً وقواعد فقط، أنها طريقة بالتفكير وفلسفة، خاصة اللغة الألمانية، وأنا أعرف عن ماذا أتحدث، درست الأدب الألماني في جامعة بغداد، ثم أكملت الدراسة في جامعة هامبورغ، اليوم أدّرس بنفسي اللغة لطلاب الجامعة، وكل مرة يثبت لي، أن اللغة الألمانية، لغة جميلة مثلها مثل لغات جميلة أخرى، طوبى لمن ترعرع في حضنها، لكي يستطيع اللعب معها، ومن المضحك أن نجعل شخصاً في رواية يفكر على طريقتها وينطق بها وهو يعيش في دمشق أو بغداد أو أسطنبول؟
الالمان أنفسهم ينظرون للكاتب الذي يكتب بلغته الأصلية نظرة احترام، فأن يقولوا «كاتب عراقي الماني منفي»، هو تعريف جميل، على عكس التعاريف التي يلحقونها باولئك الأجانب والعرب الذين لجأوا للكتابة بالألمانية، يسمونهم بكتاب المان من أصل أجنبي أو كتاب مهاجرين سابقين، في فرنسا يطلقون على هؤلاء الذين يكتبون باللغة الفرنسية فراكفونيين، خانة ضيقة بالأحرى، وذلك أمر مفزع، لأنه يعني النفي للكاتب مرتين، هناك من بلاده الأصلية، وهنا في البلاد الجديدة.
ليس من المصادفة إذن، أنني برغم تعلمي لغات عديدة، برغم أن اللغة الألمانية خاصة تحولت بمثابة لغتي الأم الثانية (لكي لا أتحدث عن اللغة الأسبانية ودراستي للأدب الاسباني في جامعة مدريد)، إلا أنني بقيت مصراً على الكتابة باللغة العربية، بها أعود دائماً إلى حيث طُردت، بها أختار الشكل للوطن الذي اتمنى أن يكون عليه. بهذا الشكل المنفى هو حرية مفتوحة يضم جميع الأوطان.
عندما عبرت الحدود العراقية التركية عند نقطة تفتيش زاخو في صباح 28 تشرين الأول 1980، لم يكن معي غير كيس بلاستيك فيه ثلاثة كتب وحسب: زمن القتلة لهنري مللر، قوت الأرض لأندريه جيد ومائة عام من العزلة لغارسيا ماركيز. كانت تلك هي غنيمتي الوحيدة من وطن عشت فيه 24 عاماً، وطن صادر مني كل شيء، باسثتناء اللغة، كنزي الثمين.
اللغة التي أتحدث وأكتب هي ثروتي الوحيدة التي لم يصادرها خفر سواحل أو حراس حدود، هي كل ما تبقى لي من الوطن القديم، منذ ذلك الحين وأنا أرعاها، أنام وأصحى معها، هي الأم والأخت، هي الزوجة… هي الحياة و….. العاشقة التي لا تخون.