التنوير بوصفه علامة

د. رسول محمد رسول

لا أنظر إلى التنوير بوصفه مُجرّد شكل فحسب حتى لا نغرق في لجٍّ شكلاني معيب لا نودّه لنا ولا لغيرنا؛ بل إن التنوير هو مضمون ومحتوى ومعنى يتمظهر في شكل يتناغم، وبذلك فالتنوير هو وجود إنساني حيوي يتخذ شكل علامة دالة عليه.
إن علامات التنوير كثيرة في تعدّدها وتنوعها، لكنّنا لا نرغب بأن تكون هذه العلامات دالة على تغييب محتوى ومضمون التنوير أو إرجائه بأن يكون سواء عبر قمع ذاته أو مصادرتها نحو العدم، وهو ما تروم ترسيخه في المجتمع والتاريخ تلك الأيديولوجيات الظلاميّة المضادّة للتنوير الإنساني.

الإرجاء
الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا قد ألقى محاضرة له في مؤتمر للفلسفة كان انعقد في باريس ابتداء من 27 أيار 1968، وجاءت ورقته إلى عنوان «الإرجاء» نشرها تالياً في كتابه (هوامش الفلسفة) سنة 1972، واستخدم ملفوظ (différance) للتعبير عن ملفوظ «الإرجاء»، قال فيها: «قد تكون العلامة حضوراً مرجئاً. إن سريان العلامات على هذا النحو يرجئ اللحظة التي نستطيع فيها ملاقاة الشيء نفسه – التنوير على سبيل المثال – والاستحواذ عليه؛ استهلاكه أو استنفاده أو ملامسته أو رؤيته أو الحدس به حاضراً» (هوامش الفلسفة، ص 41). فالعلامات المرجِئة والمؤجلة لحضور التنوير لا تغنينا نفعاً ولا احتفاءً بأن يبسط – هذا التنوير – كينونته وبالتالي وجوده في الحياة العامة، وأن يكون فاعلاً في وجوده، ولكن يبقى السؤال قائماً: من هي الظلاميّات المضادّة للتنوير؟
إن الإنسان مُجرد الغريزي لا يميل إلى التنوير الإنساني لكون هذا الإنسان يبدو مكتفياً بذاته الغريزية سعيداً بها وفيها فهو يستضيء بها فحسب، وعندما يسيل لعابه ليقول: «أنا تنويري» تراه يتوسَّل جُملة علامات إنما تعبّر في حقيقتها عن ظلاميّته، ما يعني أن علامات من هذا النوع ترجِئ مضمون التنوير الإنساني بأن يكون ويوجد لصالح علاماتية شكلية تدعي التنوير لكنها تبقى علاماتية تكتنز زيفها.
ومن صور الظلاميّات المضادّة للتنوير صورة ذلك المثقف المزيف الذي يدّعي حرصه على أن يكون التنوير ويوجد، ويدّعي أنه يبلور خطابه لصالح التنوير، ويحرص على أن يظهر لهذا الصالح = «التنوير»، ويستعمل في هذا المجال جُملة علامات لكن زيفه يسابقه فيفضح خطابه؛ فثمَّ بون شاسع بين التنوير في حقيقته الإنسانية والتنوير في علاماته البشرية المصلحية.
وفي هذا المجال، وفضلاً عن ذلك، لا تختلف الدولة العربية عما يفعله هذا النموذج من المثقفين؛ فهي الأخرى تسمح لنفسها بادّعاء التنوير لكنه الادّعاء الزور، سواء كانت دولة إسلامية أو ليبرالية بكل أشكال ظهورهما. إن الدولة العربية في القرن العشرين والقرن الذي يليه ليست تنويرية لأنها ما زلت تعمل على إذلال الإنسان الذي تحكمه، والأمثلة في هذا المجال كثيرة أكثر مما هو متوقّع، وإذلال الإنسان قمين بتأكيد الرؤية الظلاميّة التي تعادي التنوير إيما عداء.

اللا – مُستحيل
من جانبنا، لا نؤمن بأن حضور التنوير في الإنسان والمجتمع والدولة هو من قبيل المستحيل لكون التنوير مُمكن الحضور برغم التحديات المضادّة له، وبرغم الوقوف بوجه إرادته التي لا وجه لها سوى أن تكون وتوجد بلا مواربة أو خداع ربغم التحديات، لكنّه الحضور المُرجأ كما هو شأن إرجاء حضور فاعلية العقل في المجتمع العربي، وكما هو شأن السيل الجارف لخلق فجوات بين مضمون الحضور والإرادة وشكليهما.
وبذلك، فكم لنا أن نتجنّب طمس حضورية مضامين التنوير بطمس علاماته الدالة عليه تلك التي يهلّ عبرها بين الناس؟ أن تجنباً من هذا القبيل لهو مَهمة لنا جميعاً لا سيما النخبة المتعلِّمة في المجتمع، ناهيك عن المثقفين، ورجالات الدولة الذين لا بد أن ينبرون لقول التنوير فعلاً وعملاً بين الناس، ويمارسوه نهجاً دؤوباً بوصفه علامة للخلاص من آثار الخراب وما عملته العدميّات القاتلة للحرية والتقدُّم والعقل والإنسان في التاريخ.

لا نبوءة
في تأريخ النبوّات – وتلك مسألة دينية – كان الأنبياء، وهم مُصطفون من جانب الله، يحرصون على المطابقة بين الإيمان بالله وعلامات ذلك الإيمان في رحلتهم النبويّة: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (الأحزاب: 45)، فالرسول محمد (ص) هو «الشاهد»، وهو «المبشر»، وهو «النذير».، وتلك علامات له عمل جاهداً على إحداث مطابقة بين دلالتها وشكلها، بمعنى أن النبي سعى لأن يكونها، وأن يوجد فيها وبها، لكن التنوير ليس نبوءة ولا تبشيراً إنما هو دعوة ليكونه الإنسان بوصفهِ إنساناً بين الناس.
إن التنويريين ليسوا أنبياء ولا مبشّرين سماويين، لأن رسالة التنوير نابعة من موجودية الإنسان ويبتغيها عوناً على حياته وجُملة التحديات التي تواجهه في عصر الظلاميّات القاتلة للإنسان إين حلّت! وقد تكون موجودية التنوير الإنسي تستمد معناها من دعوات الله للإنسان أن يكون عقلاً وتقدُّماً ورسماً أصيلاً للغد الآتي في المجال الدنيوي لكن هذه الموجودية تبقى نغماً أصيلاً للإنسان في حياته.
إن التنوير مُساءلة الإنسان عن وجوده ومصيره، ولا بد لهذا الإنسان أن يخوضها ببراعة حتى يأتي التنوير – لديه – علامة مُطابقة لمضمونه في ممارسة الحرية والعقل والشعور بالتقدُّم بالغد أو المستقبل من دون إحداث تفاوت أو إرجاء بين المضمون وعلاماته التي يتصيّر بها – هذا التنوير – مقولاً للإنسان بين الناس.