حسين علاوي
كانت الثقافة وما زالت قيمة وحجر أساس للجانب المعرفي للمجتمع والدولة.. بعد أن تفرض وتستبطن قيماً وعناصر فهم جديدة للفرد والمجتمع.. فهي تتمتع بفضيلة السماح والاختلاف, متسلحة بتنوع القيم والأفكار.. فإعطاء الأولوية الكاملة للأفكار والنص الثقافي, لا شك سيؤسس لنوع جديد يواجه الاستبداد الأيديولوجي والفردي والجماعي.. ويرسم ويشرع لثقافة مستقبلية لم تترك حيزاً للرغبات والعواطف, ولا لفرض الإرادات التي تمارس أحكامها البالية والفاقدة للعقلانية.. وخاصة بعد أن ابتعد الواقع عن النص الثقافي في الإرشاد والتوجيه.. فالثقافة تثير عقولنا مثلما تفعل الاختلافات والفروقات بينها.. لأنها تتجه بصورة ملحوظة نحو النقد الموجه الواعي.. فهي قادرة على امتلاك الرؤية الصائبة للأشياء والوقائع.. وقادرة على توليد تصرفات جديدة, يتحرر منها الفرد والمجتمع.. بعد أن أصبح أسيراً لظروف متخلفة غير قابلة للتغيير.
ورغم أنَّ الثقافة والمثقف كانا أسيري الأنظمة الاستبدادية والديكتاتورية التي تمارس الإقصاء الفكري, وترفض حرية الرأي والتعبير.. إلّا إننا ما زلنا أسرى التخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي.. وثقافي يتوقف عند الماضي, مرفقاً بتبعية غير مسبوقة للطائفة والقومية والعشيرة.. والتي يعلن الجميع اعتراضه عليها, من دون أدنى قدرة على التأثير في مسار تطورها.. وإنَّ جوهر الثقافة ودور المثقفين في هذا الموضوع, يتمحور حول الأسباب التاريخية التي أدت إلى هذا الواقع المأساوي الذي نحن فيه.. والعودة إلى الماضي الذي يسود مجتمعنا.. وهذا يتطلب من الثقافة التصدي والوعي في آن معاً, مع الأخذ بالاعتبار المستقبل.. مستقبل بلدنا الذي نريده أن يكون متحرراً من الاستبداد والتخلف.. ومتحرراً في الوقت نفسه من الهيمنة الخارجية.. وهو ما يحتاجه الإنسان العراقي ليبلغ أقضى مستويات الإنسانية, بعد أن تم تحديد المسالك العملية في ثقافة التربية وإرساء سلطة القانون المدني, ونقد الانغلاق في الدين والأعراف الاجتماعية.. فالديمقراطية لا تتعلق فقط بحرية كل شخص, وهي ليست حصيلة لفردنة المجتمع.. يجب عليها أن تهتم بالمشترك الذي يعبر عن نفسه بعدة طرق, وعن طريق مؤسسات مختلفة.. فالتوازن بين المشترك والخاص هو الذي يمنح الديمقراطية معنىً فاعلاً وجدوى حقيقية.
والثقافة الفاعلة هي من تستخدم وسائل أخرى للتعبير عن الكفاح والتغيير بوسائل متعددة.. فلم تعد الثقافة خاصة بالنخبة من المثقفين, التي يسكن كثير من أفرادها في أبراج للمعاينة من الأعلى.. بعيداً عن المجتمع وعن مسؤولياتهم تجاهه.. بل أصبحت تستخدم وسائل التواصل المختلفة في توعية وفضح كل ما يمكن أن يستهدف سلامة المجتمع وأمنه واستقراره.. والمشاركة في صناعة الوعي بما يتداول من تغريدات ومقاطع لخلق رأي عام.. رغم إنها أصبحت أكثر قرباً من المجتمع, وأعمق تأثيراً في مجرى حياته اليومية.. إلّا أنَّ هناك من يدير ظهره للثقافة.. بل ويستخف بمفرداتها.. ويعتقد أنَّ الواقع بشكله الحالي, وظهور التناقضات التي تستخف بالمستقبل والحداثة في الأفكار, هي من تحافظ على ثقافته الشعبية.. متناسياً الطفرات العلمية والمعرفية التي تسود العالم وخاصة الغربي منه.. ونحن شعوب حوّلتها العولمة إلى شعوب استهلاكية واتكالية.. فالنقد الثقافي إذا طُبّق يكون شكل من الاستراتيجية الفكرية, والطريق إلى الفضاء الحضاري الحديث, خاصة عندما يشتغل على الواقع, بالتشخيص والتحليل, والتشريح والتفكيك, ليجاوز ويتخطى, ويركّب ويبني, وذلك باقتحام مناطق جديدة لنشاط عملي وفكري, خاصة ونحن نعيش في ضوء المغامرات الكبرى والتجارب الفذة, والكشوفات الجديدة, والمنعطفات التاريخية والقفزات الحضارية, والثورات الجذرية والبنيوية في مختلف مجالات الحياة وقطاعات الوجود.. فالنقد الثقافي لتغيير المجتمعات ليس مجرد ترف أو عرض, وإنما هو تشخيص لقضايا ومشكلات ومعضلات معيشية وخدمية وبيئية إضافة إلى المشكلات الأمنية.
والثقافة والمثقف هما حاملي التغير والتقدم والحرية والإبداع.. وإنَّ الفكرة المنتجة من أي حقل من حقول الثقافة والمعرفة, تقدّم إمكانات مهمة لفهم الواقع وتشخيص المشكلات.. لكي تتحول إلى واقع حي أو إلى حل ناجح أو إلى فاعلية مجتمعية.. ولا شك إنَّ الكثير من طبقات المجتمع تنتظر دوراً حيوياً يعيد للثقافة والمثقف دورهما الريادي.. فلا تغيير اجتماعي إنْ لم تتغير الأفكار الطارئة والطاردة للمتغير الثقافي والفكري والعلمي الذي يسود مجتمعنا والمجتمعات الأخرى.