الأمومي والذكوري.. هندسة الهيمنة على النساء
د. رسول محمد رسول
أربعة مباحث في فصلين ضمّهما كتاب الباحثة السورية الدكتورة ميادة كيالي (هندسة الهيمنة على النساء.. الزواج في حضارات العراق ومصر القديمة) الصادر عن المركز الثقافي للكتاب في الدار البيضاء بالمغرب (2018) بما يقارب 400 صفحة من القطع الكبير.
كانت كيالي درست، في كتاب سابق لها، تحت عنوان (المرأة والألوهة المؤنثة في حضارات وادي الرافدين) الصادر في بيروت والرباط عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود (2015)، والذي درست فيه انزياح المكانة والأهمية وتقصي آثار الانقلاب الذكوري في مظاهر حضارات وادي الرافدين، ما يدل على تواصل اهتمام الباحثة بموضوع المرأة في الحضارات القديمة بالعراق ومصر. وهو توجّه يبدو جديداً في موضوعه من حيث التخصّص الأكاديمي والمعرفي بالطريقة التي اشتغلت به الباحثة في وقت تعيش فيه المرأة العربية مشاكل هيمنة الذكورية في غير قطاع من قطاعات الحياة، وهي إشكاليات تبدو متجذرة في عمق الحياة العربية استعادت ميادة كيالي بحثها برؤية موضوعية تستحق التوقف عندها.
أبوي وأمومي
تدخل الباحثة في الفصل الأول إلى نشأة الحياة الدينية والاقتصادية للزواج منذ عصور ما قبل التأريخ والعصر التأريخي القديم فتدرس في المبحث الأول «كيفية ظهور الزواج؟»، و «العلاقة ما بين الزواج والدين»، و «الزواج المقدس»، و «البغاء المقدس»، وهو ما يخص مسائل الانقلاب الذكوري على المرأة وقوننة تشريعات مسائل الجنس والزنا والعفة والطهارة والبغاء والزواج، وأثر ذلك في ظهور بنية قانونية ليست بعيدة عن الآثار الدينية والسياسية والاقتصادية ما أدّى إلى ظهور «النظام الأبوي» مقابل «النظام الأمومي» وخروج المرأة عن دائرة الحرية في متعها الجنسية إلى دائرة العلاقات المحكومة بقوانين الزواج.
أما في البحث الثاني فتدرس مكانة وأهمية الزواج من حيث علاقته بالاقتصاد، والعلاقة ما بين قوننتها وفق نظام أبوي، وبالتالي التعددية فيه، لتؤكِّد الباحثة على تأطير فكرة نشوء الزواج الأحادي الخاص بتقييد جنسانية المرأة والحصول على أبناء يحملون النسب من جهة الأب.
في الفصل الثاني تذهب كيالي إلى دراسة المظاهر الحضارية والاجتماعية للزواج في حضارة وادي الرافدين ومصر القديمة عبر مبحثين؛ الأول تدرس فيه الجوانب الدينية من حيث الزواج والزواج المقدس في مطلب أول، ومن حيث مرسم هذا الزواج في مطلب ثان، وكذلك شرائع وقوانين الزواج في مطلب ثالث. في حين تدرس في المبحث الثاني مكانة المرأة في الحضارات الشرقية القديمة عبر مبحث أول، ومتعلقات الزواج في مبحث ثان.
الانقلاب الذكوري
في رحلة البحث هذه، ترى الباحثة أن الانقلاب الذكوري على الأمومي ظهر في الألفية الثالثة قبل الميلاد عندما تم فرض الزواج الأحادي على النساء عندما سعى الرجل إلى نقل النسب لصالحه فحاصر جنسانية المرأة وفق رغباته وسلطته، وهو ما أدّى إلى ظهور أبويّة السلطة، لا سيما في حضارات وادي الرافدين. أما في حضارات مصر فالأمر مختلف؛ فقد بقي التأثير الأمومي قوياً حامياً لتوازن أكبر في العلاقة بين المرأة والرجل في ظل سلطة الأب.
ترى ميادة كيالي أن الرجل المحارب أخضع المرأة لنظامه الأبوي، وكانت الفتوحات العسكرية في الألفية الثالثة قبل الميلاد قد أدّت إلى استرقاق المرأة واستغلالها جنسياً، وهو أمر أدّى إلى نظام الدعارة الجنسية التجارية، وصار الجنس معيارا للمفاضلة؛ بل هو نوع للسيطرة على مشهدها الجنساني.
وإذا كانت الدولة الأبوية ظهرت منذ شريعة حمورابي، فإنها أنتجت نظام الدولة الذي نقل السيطرة على المرأة من يد الأب إلى يد الملك، لا سيما القانون الآشوري رقم 40، الذي سمح التعددية للرجل في الزواج والمحظيات، وهذا ما جرى في العراق، بينما في مصر كانت للمرأة كل الحقوق حتى إنه يمكنها ممارسة الحكم والسلطة المالية وصنع القرار.
الزواج الأحادي
لقد بينت قوانين الزنا في العراق القديم أن الزواج هو عقد توقع فيه المرأة صك العفة والالتزام بالعفة عبر علاقة أحادية مع الرجل، ولذلك ترى أن تشريع الزواج الأحادي أسس لهيمنة أبوية ربطت جنسانية المرأة بالرجل ما يساهم بإخضاعها للرجل هو ما مهد لظهور طبقة العبيد؛ بل تذهب الباحثة إلى أن نشأة النظام الأبوي كانت على أكتاف السيطرة على المرأة، وتالياً السيطرة على الطبقة، ومن ثم تولي زمام الحكم وتوزيع الثروات ليتم تأسيس الدعارة التجارية.
ووفق القانون رقم أربعين أصبحت جنسانية المرأة محكومة بيد الزوج لكنها ومنذ العصر الآشوري أصبحت بحسب رغبات الدولة لتأسيس قانونها الخاص بالمرأة، وليس للمرأة الحق بطلب الطلاق في العراق القديم إلا في حالات عدة منها تحقير المرأة. بينما كانت قوانين الزواج في الحضارة المصرية أكثر تحضرا، بحسب رؤية الباحثة؛ فكان الانقلاب الذكوري أخف في الحضارة المصرية مقارنة بالحضارة العراقية الآشورية!
تطرح الباحثة إشكالية اتكالية المرأة خلال الزواج على الرجل؛ فهذا الأخير لا يحافظ على الحب بقدر ما يرى في الزواج حماية، بمعنى أنه الزواج ليس سوى تبعية في مقابل الحماية والحصول على الأبناء. وفي مقابل ذلك كانت الحضارة المصرية تقدس الحياة الزوجية، وتصر على حقوق الزوجة، وتحث على تبني الأطفال في حالة العقم، وكل ذلك يؤشر إصراراً على بناء العائلة؛ بل وصول المرأة إلى سدة الحكم، ما جعل الباحثة تستنتج أن وضع المرأة المصرية القديمة لا يصطبغ باستفحال الذكورة كما هو الشأن في الحضارات العراقية القديمة. تختم الباحثة كتابها بالقول إن تأكيد مبدأ تعددية الزواج في التشريع الإسلامي مقابل منع الطلاق في الديانة المسيحية وجهان لعملة واحدة هي هيمنة النظام الأبوي واستمراره، فلا بد من تأويل جديد لكل ذلك بحيث يضع المرأة في مكانها الأصيل الذي يجب أن يكون لها.
مسارد
ما هو لافت في هذا الكتاب هو أنه يضم أحد عشر ملحقاً بالمواد القانونية في الحضارات القديمة، وأسماء الباحثين المعتمدين في البحث، ومختصراً تعريفياً بالحضارات الشرقية القديمة، ومسرداً بالمصطلحات والمفاهيم والتعريفات الواردة في متن الكتاب، وألقاب الكاهنات في حضارة وادي الرافدين، وأسماء الآلهة، ومسرداً بعصور ما قبل التاريخ، وأسماء الآلهة باللغة الإنجليزية، وبعض المسميات باللغة السومرية، وأسماء المدن والعصور، وأسماء المصطلحات باللغة الإنجليزية أيضًا.
وبعد، إن كتاب (هندسة الهيمنة على النساء.. الزواج في حضارات العراق ومصر القديمة) للباحثة الدكتورة ميادة كيالي يبدو لي منجزاً معرفياً مهماً في تأريخ المسألة النسوية خلال فصولها الحضارية والفكرية الباكرة، لا سيما أنها لجأت إلى منهج تاريخي وصفي مقارن بين الحضارات العراقية (سومر، أكد، بابل، آشور) والحضارة المصرية. وهو كتاب يفتح الأفق للمضي قدماً ببحث المسألة النسوية في الآداب القديمة