ابراهيم سبتي
العراق
عُدْتُ، الليل يلفّ الشارع الترابي فتلتحف البيوت الهاجعة بين ضلعيه في سكينة وصمت.. ابحث عن أشياء أعرفها، عيني الشوّافة تتسرّب إلى الزوايا والأزقة في الشارع الوحيد الخالي من الناس في هذا الوقت.
انحرفت قليلا نحو أحد الأزقة الضيّقة الطويلة الذي لم أنسه في أتون غربة أذابت روحي وكل أشيائي وتلاشت فيها لعشرين سنة مضت الا هذا الزقاق النابض مثل قلب ممهور بالاحباط، فظلّ شاخصاً في دخائل رأسي المتوجّع من أعوام عبث وفوضى عشتها بعيداً عنه. ثمة إحساس كامن لا يفارقني رغم هول ما رأيت هناك. يجول في رأسي عشرين عاما مذ غادرته، مستعذباً فكرة الهروب من جحر الثعابين هذا، قلت لن أراه ثانية ومكثت في مدن الصقيع والشوارع الموحشة حد اللعنة، لم يتغيّر أبداً . البيوت ذاتها مذ عرفتها والنوافذ المتقابلة ظلّت تحكي إيماءاتنا ونحن نحتفل ببوحنا صغاراً لا نعرف شيئا فنتلقى صفعات الآباء المندهشين من جرأتنا. الأبواب الخشبية المتهالكة احتفظت بألوانها الشبحية الباهتة رغم غرقها في الظلمة المقيتة وثمة بيت يجاورنا، ما زال متهدّماً وخرباً، سكنته ثلاث نساء عجائز، يريق ذكرياتي التي تنساح مني مرغمة. كلما مررنا به نحن الصبيان، خفت وزغت ببصري بعيداً لأنه مسكون، هكذا قال أبي وقتها فصار لعنة في الزقاق لكل قاطنيه، لكنّني لم أعبأ وأنا أفرط في النظر إليه الانَ متذكراً فورة الغضب العارم التي حاقت بالبيوت قبل أن يهدمه الأهالي بمعاولهم وهم يصرخون بلعنته ولم ندرِ شيئاً عن مصير النسوة اللائي يرعبننا في كل غروب عندما تتصاعد الأبخرة والأدخنة الغامضة والمريبة من سطح دارهن فتدخل الرائحة إلى البيوت فتتعالى صيحات الخوف وأنام قلقاً شبه يقظ وتتداعى إلى ذهني الأصوات والضجيج الممزوج بالخوف فتعربد الأفكار في رأسي وينتابني الفزع، إنه اجترار لحزن قديم .. هناك في بلاد الصقيع لا يحدث كل هذا الذي أعرفه او الذي كنت أعرفه، إنَّهم يتشاجرون همسا ولا يصرخون، كنت طامحاً في حياة أكثر راحة، فلا فتيات تحرق بنيران الاحبة ولا فراق يطيح بعنفوان الرجال.. موهماً إياي بعيش لائق . انسلّت مني دمعة متذكراً يوماً موجعاً في صباي حينما نهضنا من نومنا مبكرين مفزوعين على أصوات بكاء وصراخ يقطع خيوط القلب لفتاة الجيران التي أحرقت نفسها على دكة البيت المطلة على الشارع الترابي هذا، أول بيت في مدخل الزقاق، ورأيتها رؤى العين كيف تتلوّى كأفعى مرعوبة بفعل النيران التي أكلت جسمها الغض صارخة دون أمل. أمها المكلومة شقّت ثيابها بجنون ولطمت بعنف على وجهها المدمّى وكانت النسوة مخنوقات العبرة يلطمن بصمت، موجة عارمة من الحزن .. ما زال المكان شاهداً على تلك اللحظة الفاجعة. قال الأب المجروح القلب:
ـ لا أعلم لماذا !
الحياة هنا في زقاقنا، كشجرة تبدأ بحنوّ الصغار وتنتهي كعجوز يرمونها بأقذع الكلام.. هي حياتنا وإن لم نرض، فلا مصير غير مصائر كتبت لنا منذ أول لحظة نزولنا إلى زحمة العالم الفسيح ولا عمر نعيشه كأعمار غيرنا..
سمعت رجلاً نحيفاً اندسّ بين الواقفين صائحا: نعيش أرقاماً في لائحة انتظار مجاهيل أخرى، لائحة خُطّت منذ الأزل على الرقم الطينية حينما نقّبوا في المدن ووجدوها تحت التراب تخبرهم أنهم قوم ينتظرون مصائرهم. وها نحن ننتظر مصائرنا مثلهم.. نموت بكثرة نحن او لنقل الأكثر موتاً جزافاً .. هي القيامة المعلنة التي نزورها كل لحظة وتزورنا، لا عزاء لنا ونحن نعتصر جروحنا التي لا تندمل، كان صوته مفعماً بكآبة غريبة.
لم استطع تجنُّب رؤية مكان الفتاة المحروقة وأنين صيحات أمها المنهارة وصراخاتها وهي تموت أمام الناس الذين أحضروا بطانية وشرشفاً ولكنّ الغياب كان أسرع فتوارت كقطعة فحم في تنور هائج ملتهب . كنت مأخوذاً بذاك المشهد لحظتها مع أنّني لم أقوَ على فعل شيء . ماتت الفتاة ذات العينين اللامعتين متفحِّمة أمامنا وتركت في قلوبنا حسرة، عَجزِنا حينما نسينا شهامتنا ونحن نتجمهر أمام المشهد النادر لموت المسكينة على الطريقة البائسة وصارت تستفزنا في كل حين، فظللت أكابد وحدي مرارة اللحظة، فيملأني السخط وتحتدم أفكاري وصرت متخما بتل هائل من الاحباط .
أمشي متجنِّباً المنظر البشع لميتة لم ارَ مثيلا لها، ولكنّني أردد بان للموت حرمته وللميت هيبته، يا لشجاعتها !
كيف أحرقت نفسها وهي البنت الخجولة المؤنسة لوحدة أمها المريضة ؟
لم تعرف المهادنة والخنوع فأرادت تعبيراً آخر لعنفوانها، فكانت كالمستجير بالرمضاء من النار، مؤكدٌ أنها لم تعِ الموت وسطوته فأوجعتني لحظة الاشتعال والانطفاء وامتلأت عيني بدموع العجز والندم فيما أصرّ الرجل النحيف على القفز نحوها لكنّه كان ضعيفاً ويداه لا تقويان على الأمساك بالنار المشتعلة. الدخول إلى عمق الزقاق سيغيّر الكثير منّي، إنه حياتي التي ساحت على أرض لا ثمر فيها واردتني خاوياً عاجزاً لا قدرة لي ولا تحمل. عشرون عاما بين شوارع وحارات وأزقة باردة لم أُحسب يوما عليها ولم ترضَ أن تعاقرني غربتي فكانت بعيدة حدّ الأعياء فتركتها وانطويت محملا بالأسى عائداً إلى زقاقي اتأمله واتذكّر جارنا الطيّب الذي اختفى فجأة ولم يظهر ثانية.. وقفت أمام بيتنا، ما زال منتصباً في الوسط فتلبستني حالة من التوجس فيما تلقّف أنفي رائحة شاي أمي فيما أبي كان يريق ضحكاته وهو يرتشفه متلذذاً. طرقت الباب المندس في الظلمة وأمعنت فيه طرقاً ولا من مجيب . طرقته بعنف وجنون وكاد يسقط، رأيت الناس يخرجون من بيوتهم كالموتى يسيرون نحوي مترنحين فيما قفزت واعتليت الجدار المتهدم لبيت العجائز المسكون وتواريت في حجرة مظلمة بعيدة يتصاعد منها دخان رائحة غريبة وسمعت صوتاً عذباً ينطلق نحوي خمنّت أنه صوت جارنا الطيّب المختفي..