غسان البرهان
تتحكّم كلّ ديانة في تشكيل جزء من هويّة الأفراد المنتمين إليها عن طريق تحديد الشكل والهيئة، والملبس، كذلك في ما يأكلون وكيفيّة أكله. وإذا كان الطعام يربطنا بالآخرين ويشكّل المجتمع والثقافة التي يعبّر عنها ويعدّ جزءاً أساسيا من هوية أفرادها وتاريخهم، فهل يمكن أن نعدّه مدخلا لفهم ثقافة، أو ديانة ما؟.
تميّـز الصابئة المندائيون، الذين استوطنوا جنوب العراق، خاصة في محافظات ميسان، وذي قار، والبصرة، عن مجاوريهم ليس فقط باطلاق شعر اللحية بالنسبة للرجال او لبس “اليشماغ” الأحمر الذي فرض عليهم، وإنّما بالشكل العام أيضا. فقد عرف المندائيون عامة ببياض البشرة والوسامة للرجال، والجمال الحسن للنساء، بحيث أن جيرانهم يستطيعون أن يميزونهم عن الآخرين بسهولة، وبمجرد النظر إليهم.
قدمت الشاعرة لميعة عباس عمارة (وهي من الصابئة المندائيين) دراسة أنثروبولوجية متميزة بعنوان “الطعام عند الصابئة المندائيين”، صدرت عن دار الرافدين، وكانت جزءا من مشروع أطروحة للدكتوراه، في نهاية سبعينيات القرن الماضي، بفرنسا، إلّا أنّها انشغلت عنها بالشعر، وعاودت إكمالها في عام 2016.
وترى عمارة في اطروحتها أن سبب جمال وصحة المندائيين يعود لنوع الغذاء من حيث كفايته وتعدد أنواعه، والحرص فيه على مادة السمك وأنواع الخضار المفيدة والمكسّرات المغذية، كذلك التزاوج فيما بينهم بما يشكّل من المجموعة عرقا واحدا تقريبا دون تدخل من أي أعراق أخرى.
وتعتقد أن “وراء هذا الدين علماء ومفكرين وفلاسفة عظماء، أوجبوا التحريم والتحليل لأغراض الحفاظ على الصحة وتنظيم الحياة”.
توزيع الطعام
لا يُباع الطعام من قبل الصابئة المندائييـن، فذلك يدخل في باب العيب، وتقديم طعام النذور محرّم عند المندائيين، انطلاقا من فكرة (ربط إرادة الخالق بالاستجابة للنذر من عدمها)، أمّا الأضحيات فمما يُوصى بها وخاصة بمناسباتهم الدينيّة.
مؤاكلة الآخرين
في مجتمعاتهم الأولى ظلّ المندائيون يحرصون على عدم مؤاكلة الآخرين في طعامهم بسبب الالتزامات المفروضة عليهم دينيا. فالتوصية الدينيّة أن الطعام يدخل جوف الإنسان من فمه الذي يعتبر حدا “ميسرة”، والتوصية بأن يكون كلّ ما يدخل من خلاله طاهرا ونظيفا، ولذلك حرّموا تناول كلّ مادة غير طبيعيّة وغير محلّلة كالمواد الكيمياوية (لفترة ما). وهكذا حرص المندائي، على المحافظة على نوعه، من الاندماج بالمعاشرة أو بالمؤاكلة والاختلاط، وسميت هذه العادات حراما.
بالمقابل حرّم مجاورو الصابئة مؤاكلتهم، خاصة المسلمين، عادين المندائيين نجسين (غير طاهرين)، فصار كلّ طرف، وبخاصة الملتزمين والمتزمتين دينيا، يتحاشى ذلك.
اللحوم
لم يكن للصابئة جزّار خاص بهم مثل مجاوريهم من المسلمين أو المسيحيين أو اليهود، كما أنّهم لا يشترون مطلقا اللحم من الجزّارين في السوق، وكما اليهود يقوم المندائيون بتحريم أكل اللحوم التي يتبيّن لهم أنّها مريضة، ولكنّهم لا يحرمون بيعها على غيرهم (من ذوي الديانات الأخرى).
ولا يؤخّر المندائيون استعمال اللحم إلّا ليومين أو ثلاثة حسب برودة المناخ ويضيفون له كمية كبيرة جدا من الملح، وعند إعداده يغسلون الكمية اللازمة عدّة مرّات للتخلّص من الملح الزائد.
ويعتمد المندائيون الخروف الحيوان الوحيد للذبح، والذكر فقط، ويحرمون ذبح الأنثى، كذلك يحرمون الخنازير والكلاب والقطط والفئران والأرانب، وهم لا يعتمدون لحوم الجمل والحصان، وحتى لحم الماعز غير مرغوب لديهم. وحرّموا ذبح البقرة لـ “الحاجة الأساسية لها كمصدر للحليب ومشتقاته”، بحسب رأي لميعة عباس عمارة.
وبالنسبة للدجاج فيعدونه من اللحوم الحارة ولذلك يحرصون على أن لا يغضبوا أو يتعرّضوا لصدمة عاطفيّة بعد أكله، ولا يشربون الحليب بعد تناوله.
ومن الطيور التي يقدمون على ذبحها وتناول لحومها هي البط والاوز .
يقوم بعملية الذبح رجل دين أو رجلا يُسمّى “حلالي” أي أن نسله الأسري ليس فيه ما يشوب أهليته الدينيّة، يغسل ويلبس “الرستا” (اللباس الديني المندائي) ويجب أن يكون طاهرا وغير مجنب، ويغسل السكين ويديه، ويجلس القرفصاء متجها الى جهة الشمال قبلة المندائيين. ثمّ يقوم بتلاوة اسم الله عليه، وبعض النصوص الدينية.
الأسماك
عُرف المندائيون بحبّهم للأسماك وهي كثيرة بسبب وفرتها في مياه دجلة والفرات والأهوار، وتناولوا القطان، البني، الشبوط، الحمري، والزوري، والبياح، والصبور، والزبيدي، أمّا الجري والشلك، والكوسج فهم لا يتناولونها، لأنّها تطعم طعاما فاسدا.
الخضراوات
يعتمد المندائيون الخضراوات في مأكلهم، وعيشهم بالقرب من الأنهار وبيئة الأهوار جعلهم يستفيدون من هذه البيئة، فهم يتناولون جميع أنواع الخضار عدا الفطر والكمأ فهو غير محلّل عندهم (غير محلّل في المندائيّة كلّ نبت لم ينبت عن بذرة).
المخلّلات
كان الصابئة المندائيون عريقين بصناعة المخللات “الطرشي”، إذ يصنعون الخلّ من أنواع التمور الرخيصة، ويعتمدون في الغالب الخيار، والقثاء، والفلفل، كما يستعملون اللفت “الشلغم” مع قليل من البنجر، وبعد أن ينضج يتلوّن بلون البنجر الأحمر.
الحلوى
تعدّ الكليجة، الدبس، الدبس والراشي، المعسل، الفل، المدكوكة، الخريط، تمن محمر، أبو الهريس، الأنواع الشائعة من الحلوى والمحليّات التي يعتمدونها بعد تناولهم الطعام.
الفواكه
جميع أنواع الفواكه مقبولة ومحبّبة ويقدم المندائيون على تناولها بحسب ما متوافر في بيئتهم وفي فصولها ومواسمها. التمر سيدها بأنواعه ومراحل نضجه “خلال”، بلحا، رطبا، تمرا، مكبوسا، أو جافا، أو مطبوخا.
الأدوية
كانت جميع الأدوية المعتمدة من قبل الصابئة المندائيين عشبيّة، وهم لا يختلفون بذلك عن المجتمع المحيط بهم، فالدواء مما يشترك به الجميع وتشيع فائدته بحيث أن استخدامه يعبر حدود المجتمعات.
المشروبات الكحوليّة
لا يتناول رجال الدين المندائييـن الخمر مطلقا وهو محرّم عندهم، وأما عامة المندائيين فيمكن أن يتناولونه بقدر قليل مع أنّهم لا يصنعونه، بل يأتيهم من شمال العراق، والعرق أغلبه (الذي يُعدّ من طبخ أنواع التمور الرخيصة وبخاصة الزهدي ومن ثم تقطيره).
الصوم
وعند الصوم، ففي الطعام يتعلق الأمر بإيقاف عملية الذبح وعدم تناول كلّ مافيه روح من الحيوان والطير في أيّام معلومة عندهم تُسمّى “المبطلات”، وهي تُبطل أغلب الطقوس الدينيّة ومنها النّحر، كما يتوقّف الجنس فيها.