فاخر الداغري
فلسفة التاريخ واحدة من المعارف التي لم تحظ بالعناية والاهتمام اللازمين من المعنيين بشؤون الفكر الفلسفي والتاريخي مع أهميتها في المعرفة العربية والإنسانية لكونها ترتبط بأكثر من صلة بالتراث العربي الاسلامي الأديب
علي حسين الجابر
تنطلق الفلسفة من هدف ستراتيجي هو العمل على حل معضلات الحياة وفهم الوجود، وهذا يعني انها تبحث عن الحقيقة.
لقد جاء منهج المفكرين العرب والمسلمين غنياً بالبحث في كنة الفلسفة كالفارابي وأخوان الصفا وابن خلدون (ت808هـ/1405م) في وقت جاء فيه فولتير (1778م) مطلقاً على هذه الدراسات والبحوث اسم (فلسفة التاريخ) في حين ان ابن خلدون هو السابق الذي عرف التاريخ قائلاً: ((إذ هو في ظاهره لايزيد على اخبار عن الايام والدول والسوابق من القرون الاولى وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق بكيفيات الوقائع واسبابها عميق)) .
وهذا يعني ان الفلسفة في معناها الأصيل الحكمة وهو مايحدد الصلة الوثيقة بينها وبين التاريخ الذي تقوم عليه الفلسفة بصفاتها ( الكلية والسببية والمستقبلية) المقترنة بالتفاؤل والتنبؤ حيث النظر الى احداث التاريخ بمكوناتها الاجمالية وتشخيص الاسباب التي جاء من اجلها الحدث التاريخي القائم على فلسفة التاريخ لاتقف عند احداث التاريخ بل تتجاوزها الى المستقبل الامر الذي ينتشل الانسان من العيش تحت وطأة الانكسار حيث وحدت الازمنة الثلاثة الهدف من وجود الانسان على الارض التي منها اولوية الاجتهاد من اجل تحقيق هدف مشروع يعود على الانسان بالنفع الخاص وعلى المجتمع بالنفع العام.
وعليه: تأتي نظرية ابن خلدون في تفسير التاريخ منطلقة من حقيقة مفادها: (( ان الانسان اجتماعي بطبعه)) وانه تعاقد مع الاخرين على اقامة كيان يضمن له الحماية والحياة الكريمة الامر الذي يعني ان ابن خلدون قد سبق جان جاك روسو صاحب نظرية العقد الاجماعي، وان هذه النظرية ثبتت نفس افكار ابن خلدون في كون الانسان اجتماعياً بطبعة وانه تعاقد مع الاخرين على اقامة كيان يحفظ حقوق الاخرين.
وبما ان المجتمعات ذات نوعين من حيث النشوء فهي بدوية وحضارية حيث يشكل هذا التقسيم طرفي المعادلة في قيام الحضارات وازدهارها على اساس تعاقب الادوار المشدودة بالدين والدنيا.
هذا التعاقب في المسؤولية الحضارية هو وليد التفاعل واكتساب الخبرات القائم على العوامل الجدلية المتناقضة حيث تمر الحضارة في مسيرتها التاريخية بثلاث مراحل هي مرحلة البداوة ومرحلة الحضارة ومرحلة التدهور، اما عوامل التأثير في الانتقال من مرحلة الى اخرى فهي:
مزايا الارض التي نشأت عليها الحضارة وكيفية استثمارها.
مزايا الحكومة التي بالضرورة ان تكون عادلة وملتزمة بعقيدة معينة وتمتلك القدرة على حماية السكان وتأمين حاجاتهم من توفير العمل والنشاط الاقتصادي وتخفيض الضرائب والاستفادة من فائض الانتاج في تشجيع النشاط التجاري وتأمين عوامل العناية الصحية والتعليم.
لقد شخص ابن خلدون- بوقت مبكر – العوامل الجدلية المؤثرة في حركة التاريخ وانتقلت افكاره ومدوناته الى اوربا عبر قنوات عدة منها المباشرة وغير المباشرة.
المباشرة هي استثمار الترجمة لاراء ابن خلدون الى اللغات الاوربية الاصيلة وغير المباشرة تمت عن طريق المستشرقين الذين كانوا يجيدون النطق بالعربية. وعليه:
فأن نظرية ابن خلدون في تفسير التاريخ مرت بالسمات الاتية:
الحيوية: حين درس ابن خلدون الجانب الحيوي في حركة التاريخ كان فكره حلقة الوصل بين اخوان الصفا والتطوريين؟
الشمولية في تشخيص الجدل بين الموجودات من جانب وخواصها الذاتية من جانب اخر حيث اشار الى اختلاف الايام والسنين وتبدل الاحوال من خلال تأثير عوامل داخلية وقوانين ذاتية وادرك اهمية المنهج في البحث التاريخي واوضح المتبدل والمتغير مقارنة بالثابت المتوحد المتكامل، وهذا يعني اتسام نظريته بالكلية التي تؤكد على وحدة الطبيعة الانسانية ووحدة التاريخ وشموليته.
كما اتسمت نظريته بالسببية في امكان عودة البناء الحضاري عند توفر اسباب الحياة له وعلى اساس الحتمية التاريخية وهذا يعني إن الحضارة مثل الكائن الحي تتأثر بالظروف الموضوعية دون ان تفصل من قوانينها الذاتية المتعلقة بالسكان والمتجمع والانتاج والعقيدة اي تمر بمراحل تطور المجتمع من البداوة الى الازدهار الحضاري من خلال جدلية العصبية والترف حيث كانت العصبية والترف يتميزان بالتناقض الداخلي( الجدل) كون مسار التاريخ في كل حضارة يخضع للتعاقب الدوري للحضارات فيهما وليدا الفاعل للعوامل الجدلية المتناقضة حيث لايمكن فهم حيوية فاعلية نظرية ابن خلدون بمعزل عن جدليته التي تحرك باطن احداث التاريخ.وهذا يعني ان اكتشاف العوامل الداخلية التي تحرك التاريخ ابداعاً عربياً خلدونياً واذا ما علمنا ان اراء ابن خلدون ترجمت الى اللغات الاوربية في منتصف القرن التاسع عشر فان ماركس وانجلز قد استفادا من هذه الاراء ووظفاها لصالح فكرهما.
ونتيجة لشيوع الابحاث في التاريخ الطبيعي فأن نيتشه قد تميز في قوله بنظرية الصراع بين قيم السادة وانخفاض قيمة العبيد وظل يتحرى تاريخ العالم بمنظور بيولوجي يشمل الكائنات جميعاً بما فيها الانسان لكنه كان ارستقراطيا في توافق اخلاق السادة مع القانون الطبيعي.
وعليه :
يبقى الفارابي وابن خلدون دعاة فكر يتغير من خلال الموقف الاخلاقي الذي تميز به الفكر العربي الاسلامي خلافاً للفكر الاوربي الذي جاء لاحقاً ممثلاً في نيتشه ومن سايره.
فظلت ادوار التاريخ في العالم صراعاً بين قيم الاقوياء والضعفاء الامر الذي ادى الانسياق وراء حمى التفوق العنصري والتنافس الاستعماري,
وما فلسطين الا نموذج لهذا الصراع الاستعماري والتفوق العنصري.
ومن الذين تأثروا بفكر ابن خلدون هو (اشبنجلر) 1880-1936 ونظريته في العامل البيولجي ( الحيوي) في تفسير التاريخ وظهور الحضارات وذهابها بما يشبه مراحل حياة الانسان( ميلاد فشباب فشيخوخة ففناء)
وبذلك يصبح اشبنجلر احد المتابعين لأبن خلدون في نظرية ( الادوار), كما انه يمثل عودة الى الفلسفة الطبيعية ونهج البحث الوضعي.
وهذا يعني استمرار ديمومة الاثر الخلدوني بالعديد من النظريات الاوربية رغم اختلاف المطلحات والمسميات حيث يبقى ابن خلدون علامة مضيئة من علامات تراثنا العلمي ورائداً من رواد( فلسفة التاريخ) وعلما صاحب منهج البحث الفلسفي التاريخي الذي يعتمد السببية وفق قوانين عامة تتجاوز الظواهر الجزئية الفردية المتغيرة فهو الاب الشرعي للمدرسة الطبيعية في تفسير التاريخ1