د. حسين القاصد
كنت قبل أسبوع قد التقيت أستاذي العلامة د. سعيد عدنان، وكان لقاءً غزيراً بالمحبة والثراء الفكري؛ ففضلا عن حضوره وتشريفه لي في جلسة الاحتفاء بكتابي «الجريمة الثقافية»، كان للقاء ان يوقظ في الذاكرة من شجن، وارتقى الحديث ليقترب من أعالي الهيبة الفكرية العلمية واللغوية والأدبية؛ وقد كان العلامة محمد حسين الأعرجي رحمه الله، هو: هو، في كل باب طرقناه من أبواب الذاكرة النابضة بشذراته وابداعه .
تساءل أستاذي الدكتور سعيد: أن ماذا جرى بصدد شعر محمد حسين الأعرجي، فكان جواب سوق العرض والطلب حاضرا بقوة، اذ قلت ان دور الطبع تهتم بطابعة النقد والفكر والرواية وما الى ذلك، ولا احد يعنيه طباعة الشعر الا على نفقة المؤلف مع استثناءات نادرة لبعض الاسماء الكبيرة من الشعراء الاحياء؛ واذا نحن بين الشعر والنقد، والقديم والجديد، والابداع في التأليف والدقة والامانة في تحقيق المخطوطات حتى اقتربنا من ابهى محطات العلامة الأعرجي، اعني الاشتغالات اللغوية واهتماماته بها، واصداراته الرصينة فيها .
فالأعرجي الذي حقق عشرات الدواوين الشعرية، لم يكتف بذلك، انما قام بمحاكمة المحققين ومواجهتهم بعجالة اوقعتهم في شراك الوهم، حتى صار تحقيقهم الواهم يدرس لأجيال من الطلبة دون ان يعترض عليهم أحد؛ فكان كتابه «أوهام المحققين» الذي اجهل سبب اهماله اكاديميا وعدم التركيز على ما فيه من ثراء ينفع الطلبة الذين تشبع وعيهم بالوهم والمعلومة الملتاثة برغبة المحقق الشخصية التي لا تمت لحقيقة ماجاء بالمخطوطة من صلة؛ ففي مقدمة كتابه «أوهام المحققين» يقول العلامة الأعرجي: (صار من معاني التحقيق في أيامنا هذه أنّ صار كلّ من ينشر كتاباً قديماً على الناس فيؤدِّيه كما تركه عليه صاحبُه، أو على أقرب صورة من ذلك يُسمى محقِّقاً.
والمعنى صحيحٌ، ولكنّه كان في أصله يُطلَق على العالِم الذي يتحقّق من مسائل العِلم الذي يخوض فيه، والتثبّتِ منها، ومن هنا أطلق الناس على بعض العلماء أنّهم من العلماء المُحقِّقين …وينبغي لي أن أقول: إنّني قصدتُ في العنوان المَعْنَيَيْنِ معاً؛ فإذا نقدتُ العلاّمة الجليل الدكتور شوقي ضيف لم أنقده على أنّه حقّق كتاباً، وإنّما نقدته فيما ألّف من « تأريخ الأدب العربي «) ؛ لكن ماحكايته مع شوقي ضيف؟ لا شك ان حدثا جللا يقف خلف هذه الحكاية، وهو كذلك حقاً، فالأعرجي حين يصل الى شوقي ضيف يقول: (والعلاّمةُ ضيف ـ بعدَ هذا ـ أستاذُ أساتيذ …فهو أنّه تخرَّج على يديه في مشارق الأرض ومغاربها من العالم العربيّ طائفةٌ غيرُ قليلةٍ من حَمَلةِ شهادات الدكتوراه ممن يزاولون الأستاذيّة في الجامعات العربيّة اليومَ،وقبلَ اليومِ،ومنهم في العراق مَن تَلمذتُ لهم،ودرستُ بعضَ كتبِه منسوبةً إليه وغير منسوبةٍ عليهم.
وأشهدُ شهادةً خالصةً لوجه اللهِ أنَّ طلبتَه الذين تلمذوا له يُجلّونَه كثيراً …ولقد كنتُ أعزو أمرَ هذا الإجلالِ إلى كرم أخلاقهم حتّى وقعت الواقعةُ التي ارتجّتْ لها حنايا جامعةِ بغداد.
أمّا تلك الواقعة فهي أن عاد رجلٌ ممّن حصلَ على شهادة الدكتوراه تحت اشراف الدكتور شوقي ضيف ـ أطال اللهُ في عمره ـ إلى بغداد،وعُيِّن في إحدى جامعاتِها.هذا الرجل اسمُه سامي مكّي العاني،أمّا رسالتُه التي نال بها الدكتوراه فهي تحقيق كتاب:» دُمية القصر وعُصرة أهل العَصر» لأبي الحسن عليّ بن الحسن الباخَرْزيّ المتوفّى سنة:467هـ مسبوقاً بدراسةٍ تَتناولُ عصرَ الكاتب ـ وهو العصر السلجوقيّ ـ وما إلى ذلك من حياة الباخرزيِّ،ومنهجه في الكتابِ،و…و….وبدا أنَّ الأمر طبيعيٌّ جدّاً:رجلٌ عاد من أُمِّ الدنيا:مصر فعُيِّن في إحدى جامعات أُمِّ العراق:بغداد.
وكان للحظِّ بَدَواتُه،فمن بدواتِه السيّئة أن تجرّأ سامي مكي العانيّ على طبع الجزء الأول من الدُّميةِ في مدينة النجف الأشرف بالعراق،وقُدِّر لي يومذاك ـ وكنّا في أوائل السبعينات من القرن الماضي ـ أن أقرأ الكتاب رغم أنَّني كنتُ أعلم أنَّ العلاّمة المرحوم محمد راغب الطبّاخ كان قد نشرَه عن نسخةٍ غير تامّةٍ في حلب سنة:1930،وأنَّ الأستاذ المرحوم عبد الفتّاح محمد الحلو قد أعاد نشرَه في مصر سنة:1971.أقول قُدِّر لي أن أقرأ الكتابَ،وكان ممّا أطمعني في القراءة اسمُ المُشرِف الذي هو الدكتور شوقي ضيف،ثمَّ اسمٌ آخر ذكرَه في المقدِّمة فقال: إنَّه أعانَه على تعيين بحور الشِّعر،وأعانَه على أشياء أخرى.أمّا ذلك الاسمُ فهو ممّن أشرف عليهم الدكتور شوقي ضيف نفسه أيضاً أعني به الدكتور نوري حمودي القيسي.وكيف لا أطمعُ في قراءة كتاب اجتمع عليه ثلاثةُ دكاترة؟ وقرأتُ الكتابَ فوجدتُ فيه وأعني في تحقيق الكتاب وليس في الدراسة،من عجائب الجَهلِ ما كان من حقِّه أن يُكتَبَ على غلافِه:» تحقيق الدكتور أبي جَهل «،وحسبُك من هذا أن يُعلِّق المحقِّقُ على بيت المتنبّي:
ولا برَزنَ من الحَمّامِ مائــلةً أوراكُهنَّ صقيلاتِ العراقيبِ
فيُفسِّرَ العُرقوب بأنَّه: «جَبَلٌ» دون أن يسأل نفسَه عمّا إذا كان قد شهِد التأريخُ من يوم خَلقِ حوّاء حتّى هذا اليوم امرأةً قد حمّلتْ جبلاً! وحسبُك أن يُشير إلى بيتٍ من المقتضب ـ على سبيل المثال ـ فيقول:إنَّه من البسيط،وهكذا. هذا وقد أعانَه في تعيين البحور أمينُ المجمع العِلمي العراقي،وعميد كليَّة الآداب في جامعة بغداد الدكتور نوري حمّودي القيسي!!! ) ، ومن هنا ينبض التساؤل مرة أخرى: أن لماذا يضع المعنيون كل هذه الحقائق امام طلبة الأدب واللغة في العراق ؟ واذا وقفنا عند اللغة تراه _ رحمه الله _ عالما لغويا _ فهو في مقدمة كتابه شذرات من المولد والعامي، الذي جمعته واعددته للطبع بعد وفاته يقول وهو يحاول انجازه بسرعة تفوق سرعة الموت الذي هو في طريقه اليه، وحين ادرك انه يودّع الحياة بكتابه هذا، كتب مقدمته قبل ان يقول كل ما يريده؛ ومنها : ( وإذ دهمني مرضٌ خبيثٌ خيف منه على حياتي؛ فأنجاني الله منه ـ كما يظنّ الأطبّاء ـ وأيديهم المباركةُ، خالجني ظنٌّ أن الذاهب يمكن أن يعود؛ وتحت هذا الهاجس رأيتُ أنّ ما كتبتُ من هذا الكتاب به حاجةٌ أن يُنشر على الناس؛ لأنّ « ما لا يُدرك كلُّه لا يُتركُ جُلُّه»، وأنّ به حاجةً أن ينظر فيه الآخرون من أهل العِلم فيُغنوه بعلمهم. وقلتُ: « أهل العلم « ولا أعني بهم: أهل اللغة؛ فهم من أجهل الناس بما جدّ منها، وأكثرهم تنطّعاً بأوابدها، وما مات منها فَدُفن؛ أقول هذا لا انتقاصاً من أقدارهم أو علمهم ـ حاش لله ـ ولكن لأنهم يعرفون اللغة من خلال معجماتها، وليس من خلال استعمالاتها. ) وهو اذ يفتح النار على اهل اللغة نراه يضع يده على مفصل خطير من الجمود العلمي ، فأهل الادب _ كما شاع مؤخرا _ لاعلاقة لهم بالادب ، واهل اللغة لاعلاقة لهم بتمرحل المعاني للكلمات ، اذ يقول استاذنا د. سعيد وهو يقدم كتاب صديقه الاعرجي : (وخشي ألاّ يصدر الكتاب فقد أُعجل عنه، وبقي رهين أوراقه، لكنّ الأديب الشاعر حسين القاصد – وقد صحب الأعرجي في سنواته الأخيرة صحبة بر ووفاء – قال يوم وفاته وهو يكفكف دمعه سأقوم على نشر ما لم يُنشر من آثاره، وها هو ذا يهيئه، ويسعى أن يجد له ناشراً، ليكون أول آثار الأعرجي التي لم ينشرها في حياته صدوراً، وستتلوه بقية ما لم يُنشر.
على أن هذا الكتاب ((شذرات من العامي والمولد)) في حقل لم يجُس فيه الأعرجي من قبل، فلقد ألف في الأدب القديم، وألف في الأدب الحديث، وكتب المقالة، وزاول التحقيق، وقال الشعر لكنّه قبل هذا الكتاب لم يُجرِ قلمه في ميدان اللغة، غير أنه إذ أجراه كان رصيناً ثبتاً يستوفي ما يعالج أحسن استيفاء مستحضراً الشواهد، مهتدياً إلى الدلالة المستحدثة من سياق القول، فأيّ أسفٍ أن أختُرم دون أن يُتم كتابه ويبلغ منه ما يريد في استيعاب هذا العامي والمولد كلّه) رحم الله استاذنا محمد حسين الاعرجي فمناسبة «يوم الضاد» قريبة من ذكرى رحيله ؛ فقد كان عالما موسوعيا ، وليس للحديث أن عنه ان ينتهي لكن عدد الكلمات حاكم في الامر ؛ آمل أن اعود اليه في مناسبة اخرى .