الغريب في السؤال الفلسفي

د.محمد شيكر

إنَّ العولمة، بما هي صيرورة اقتصادية، قد أخرجت الرساميل من قمقمها، وأطلقت السلع من انغلاقها القطريّ، مما أسبغ على المبادلات المحلية واقتصادات السوق الوطنية بعداً كوكبياً، ورفدها بروح كونية معمّمة. وهذا الطبع، ما عمل على تيسير «ترحّل» الثروات والأموال والبضائع وسيولتها الحدودية، وسرعة تداولها و»استضافتها»عبر القارية. بيد أن المفارقة الفارقة هي أن العولمة، في المقابل، قد ألهبت جذوة العصبيات الخامدة، وأجّجت سورة الأصوليات والهويات والإثنيات الكتيمة أو النائمة. وبقدرما نافحت النيو – ليبرالية عن تنقل الأشياء والموضوعات والسلع، فإنَّها أخفقت في محو الحدود بين البشر. ولأنَّها عجزت عن تدبير ملفات الهجرة وملتمسات اللجوء تدبيراً أخلاقياً عادلاً، فإنَّها فشلت فشلاً ذريعاً في أنسنة العولمة، وفي تأسيسها على إثيقا الضيافة. واليوم، حين تغلق الحدود القطرية – خصوصا حدود الدول القوية أو الغنية – في وجه مئات الآلاف، بل الملايين من المهاجرين واللاجئين الذين لفظتهم طواحين الحرب الأهلية أو سحقتهم الأزمات الاقتصادية أو دفعتهم التوتاليتاريات والوثوقيات والأنظمة التعسفية إلى النزوح، فذلك ينبئ بأنَّنا بعيدون عن عولمة مواطنة أو في الأقل، عن عولمة ذات لبوس إنساني. فالمواطنة الكونية، كما يقول كانط، مشروطة بضيافة الغريب، والملمح الإنسي في أي نسق حضاري كان لا يقاس إلا بمقدار حصة الغريب فيه. فالغريب هو من ينقذ الهوية الحضارية من انغلاقها الماهوي، وهو من يجنبها النكوص. والعالم اليوم من شرقه إلى غربه، حين يبدو متصامماً تجاه الغريب، اللاجئ والمهاجر والمنفي والمهجر قسراً، وحين يرفضه أو ينبذه ويصدّه بدعوى «مديح الحدود» على حدّ تعبير الفيلسوف «ريجيس دوبراي»، أو بدعوى الحفاظ على الأمن الداخلي، أو تماسك النسيج الاجتماعي فإنَّه بقدر ما ينتهك المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، القاضية بحريَّة التنقل بين البلدان، فإنَّه يخل أيضاً بمقتضيات ضيافة الغريب، وبما يسميه الفيلسوف الفرنسي المعاصر إيمانويل ليفيناس «بالمسؤولية اللا محدودة تجاه الغير». ولا شك أنَّه بهذا الصنيع، لا يهدّد السلم الكوني الدائم فحسب، بل إنه أيضاً، ينزع عن العالم ملمحه الأخلاقي، وماهيته الإنسانية الثاوية. إن الحدود لم تصنع إلا لكي تفتح في وجه الغرباء، والأبواب لم تغلق إلا لكي يطرقها الضيوف.
ابتداء من الإبيستمي الأنواري لم يعد مفهوم ضيافة الغريب ينهض على سند إثيقي خالص، إنما تلبس لبوساً سياسياً وحقوقياً؛ وبخاصة مع إيمانويل كانط الذي وفّق في أن يجعل من الضيافة حقّاً كونياً، وقيمة مفصلية في مشروعه الحداثي من أجل إقامة بروتوكول شمولي للسلم الدائم. ولعلّ ما يميّز ضيافة الغريب حسب كانط هو أنها تتبلور بوصفها «حق الغريب في عدم التعامل معه كعدو». بيد أنَّها لا تني تتعدى هذه الدلالة لتشير بصورة أعمق إلى «حق كل امرئ في أن ينتدب نفسه كعضو في المجتمع مهما كان هذا المجتمع غريباً عنه؛ وذلك بموجب حقه في الملكية المشتركة لمقدرات الأرض» فالبشر، وإن اختلفت أعراقهم وإثنياتهم وتباينت مللهم ومنظوماتهم المعيارية، ينتسبون إلى كوكب واحد. وعليه فلا يستقيم أن يتبددوا في هذا الكوكب المتناهي إلى ما لا نهاية، بل يتعيّن كما يقول كانط «أن يتحملوا العيش بجوار بعضهم البعض، وألا يدّعي بعضهم الحق الأصلي في الإقامة في موضع مخصوص من الأرض دون موضع آخر «. وترتيباً على هذه المصادرة الكانطية تضارع حصّة الغريب من العالم حصّة ساكنته الأصليين؛ بله تتعدّى حقّه في حسن استضافته وإكرام وفادته، لتشمل فوق ذلك حقّه في المساكنة والمواطنة الكونيتين. وما يخول له هذا الحق هو انتسابه إلى نفس الجنيالوجيا البشرية وانتماؤه إلى نفس الكوكب الأرضي المحدود في سديم كوسمولوجي لا محدود. وفي ضوء ناموس الضيافة الكونية لا يكتفي كانط بنقد البربرسكيين (أمازيغ الساحل الأطلنطي) الذين يسطون على سفن الأجانب التي تدلف من مياههم الإقليمية ويتداعون عليها ويوسعونها نهباً أو البدو الرحل الذين يغيّرون على القوافل التي تمر بمحاذاة سرادقاتهم، بل ينتقد أيضاً «الأمم التجارية الأوروبية»، أو ما سيدعى لاحقاً بالقوى الامبريالية التي توغلت في جغرافيات الأرض ونهبت ثرواتها واستعبدت أهاليها منتهكة بذلك مبدأي الضيافة والمساكنة الكونيين. إن ما يعوز العالم اليوم، في ظل هذه العولمة الجرارة التي تؤسس لميثاق كولونيالي مغاير تحت دثار نظام عالمي جديد، هو تحديداً قانون الضيافة الكونية، أو ما يدعوه جاك ديريدا «بالناموس اللا مشروط للضيافة اللا محدودة»، فباسم هذا القانون تشكّلت الحضارات، وتعضّدت اللحمة الاجتماعية وصيغت التعاقدات واستتب السلم، وباسمه أدرك الإنسان أسمى مراقي الإنسانية. أما التوجس من الأغيار الغرباء «بوصفهم برابرة متوحشين هو ما يوشك، كما يقول تزيفتان تودوروف في كتابه «الخوف من البرابرة «، أن يجعلنا نحن أنفسنا متوحشين برابرة».
يؤكد كانط أن « الحق الكوسموبوليتي لا ينتظم إلا ضمن شروط الضيافة الكونية « ولا تستوي هذه الضيافة، في تصوره، إلا على مبدأ أخلاقي وسياسي يقضي بألا نعد الغريب عدواً . «فبامكاننا أن نمتنع عن استقباله، لكن لا ينبغي أن يعرّضه رفضنا هذا للخطر». لذلك فجزء غير يسير من مشاكل الهجرة عبر القارية لا يمكن حلّه اليوم، إلا إذا اجتزنا بمفهوم الضيافة – وضيافة الغريب تحديداً – من دائرة الممارسة الشخصية والبين ذاتية الى مجال السياسات العمومية القطرية. على أن هذا المفهوم كما تبلور في الأفق الفلسفي الكانطي لا يفي بهذا المطلب، إذ يظلّ مع ذلك، مفهوما دلقاً، سيالاً وحمال مفارقات، بل يحمل ضده في ذاته؛ ما دام الأصل الاشتقاقي اللاتيني لكلمة ضيافة ذاتها Hospitalité لا ينأى حسب جاك ديريدا عن لفظة عداوة Hostilité . كما أنه تشكل، في صيغته الكانطية، كمفهوم ترنسندنتالي /متعال يحدد الشروط القبلية لإمكانية التعايش والتساكن،علما أنَّه يظل،هو ذاته، بحاجة إلى أن يتحدّد ويتمأسس ويتقنن، لئلا تغدو الضيافة مجلبة لأضدادها. لا ريب أن كانط قد جعل من حق الضيافة حجر الزاوية في التأسيس الفلسفي للمواطنة الكونية وفي احتفائه بالسلم العالمي الدائم إلا أنَّه جعل من الضيافة قيمة شخصية يضطلع بها أشخاص، أي ذوات واعية مستقلة تجاه ذوات أخرى في سياق عدالة كونية عبر قارية، وبمعزل عن أجهزة الدولة. وهذا ما ألبس المفهوم لبوساً طوباوياً مفارقاً.يقول رينيه شيرر، في مصنّف مائز بعنوان «زوس المضيف أو مديح الضيافة»: «إنَّ كوكبنا لن يغدو صالحاً للإقامة إلا عبر التأسيس لضيافة كونية». بيد أنَّ هذه الضيافة المنشودة لا يستقيم تحقيقها على الوجه المأمول إلا عبر مأسستها كحق كوني. من هذا المنظور يعدّ ديريدا أنَّ ضيافة الغريب لا ينبغي أن تفهم بما هي ضيافة خالصة، ضيافة غير مشروطة يفتح فيها الشخص المضيف بيته لأوّل وافد يفد عليه أو لأي زائر غريب يتنزل عليه من نفس الكوكب ومن ذات السلالة الأنثربولوجية، إنما هي حركة انفتاح على الٱخر، وعلى عالمه الغيري، بصورة يتواشج فيه الحق والواجب، الحرية والقانون، والذاتي والموضوعي. ضيافة الغريب هي مسؤولية تجاه غيرية الغير، مسؤولية أخلاقية وقانونية، تجعل من الضيافة فعلاً إثيقياً مشروطاً وغير مشروط؛ مشروطاً بقوانين الدولة ومؤسسات الحق، وغير مشروط بما هو توثب أنطولوجي جذري تجاه ذوات تقاسمنا الانتماء إلى نفس الكوكب والانتساب إلى ذات النوع، وتحمّل معنا همّ أنسنة العالم وتشذيب قيم العولمة.