الملاذ الثقافي فاعل اجتماعي بناء 1-3

ناجح المعموري

متراكم موروث السلف الذي يمثل العناصر العامة المميزة للجماعة التي منحت ما يمثله واخضعته خلال تاريخ طويل لممارستها الحياتية . وعلاقاتها مع الآخر ، المجاور لها . ودائماً ما تكون هذه المجاورة منطوية على نوع من القبول بمثل هذه العلاقة ، ووضوح ردود الفعل لها وللمجاور ، الذي ارتضى بما أعلنت عنه الجماعة أي بمعنى ، نستطيع أن نقول بأن الملاذ الثقافي طاقة ثقافية ، تنطوي على تفاصيل ذاكرة لها تاريخ طويل ، يعني المتراكم من السرديات والمأثورات التي بذل من أجلها السلف ليس كله ، بل الذي كان من بينهم مميزاً بعناصر الاجتماعية ـــ والثقافية، وصار متميزاً بحضور تشكل : أولاً ما بذل جهداً من أجل صوغ ما سيتحدث به كل العمر ، ولا ينعزل عنه في المجالين الاجتماعي / الثقافي ، بل يرتبط به ، وهذا ملمح عرفته كل الجماعات في ثنائيات العلاقة المشتركة . ومثل هذا الفرد الذي ابتكر عناصره الجديدة ـــ وليست المنعزلة عن ماضيها الجماعي ، رسمت حدوداً جديدة ، لنوع من الحضور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي . أي مثلما أعتقد بأن الملاذ الثقافي خزان الافراد والجماعات الذي لا تفرط به ، وتحافظ عليه ، وتدافع عنه ، وهو نسق من الاستعدادات المستمرة والقابلة للتحول والنقل ، بنى مبنية ، مستعدة للاشتغال بصفتها مبادئ مؤكدة ومنظمة لممارسات وتمثلات . فالملاذ الثقافي في دلالته وصيغته النهائية هو المجتمع وقد استقل في الجسم عن طريق سيرورة التربية والتنشئة الاجتماعية والتعليم والترويض، فالمجتمع هنا بكل قيمة واخلاقيته ، محددات السلوك والتفكير والاختيار … لأنه ذلك التاريخ الذي يسكن الأشخاص في صورة نظام قار للمؤهلات والمواقف / د. سمير خليل / النقد الثقافي من النص الأدبي الى الخطاب / دار الجواهري / بغداد / 2012 / ص 105 . أنه يتمظهر عنه ذاكرة خاصة ، يعني بالضرورة هوية وملمح خاص لا ينعزل عن المجاور ولا يكتمل منعزلاً متباهياً ومتفاخراً بما تشكل لديه عبر خزان ثقافي ، هو بالمحصلة الأخيرة ـــ غير الساكنة والمتحركة حتى تحقق سيرورة غير خاضعة للتعطل ، لأن الفعل الاجتماعي فوران ، لكنه هادئ ، عارف بالآلية الرمزية التي يشترك بها الجمع ، بالكيفية التي تمكنه من فلترة خزانية ، وتنقيتها مما هو زائد ، أو غير ضروري . وأنا أعتقد بأن مثل هذا الملاذ الثقافي يمتلك خبرة في اختبار مروياته ضمن المحيط الاجتماعي واخضاعها للتنقية والحفاظ على نظامها بالمعنى الرمزي من خلال المخيال الفردي أو العام . ومثل تلك الرموز التي لم نقترح تحديداً لها الآن ، هي منتوجات للفرد أو الجماعات ، لأنها مشاركة تشكل حتمي بموضوع الملاذ الثقافي . والذي جعل بيير بورديو قابلاً للانفتاح أمام كل ما له علاقة بحياة الكائن ، ومن يحيط به من موجودات، ونستطيع الاستفادة من كتاب « اسرائيل شيلفر «العوالم الرمزية / الفن والعلم واللغة والطقوس / ت : عبد المقصود عبد الكريم ، استفادة ليست نقلية وانما تكون صورة عن العلاقة المعقدة بين رمزيات أهم ما انتجه العقل البشري ، واعني بها الرمزيات ، وهذا ما المحنا له قبل قليل بالإشارة للمخيال ، الذي ميزته ابتكاراته في هذا المجال ، لان ذلك ــ ابتكار الرموز ــ هي تبدّيات واضحة في المجال الثقافي والفني ، ليعبرا عن تعدد مجالات في آليات التفكير والتوظيف الثقافي ، حتى تتمكن الجماعات من التوصل الى ما يميزها من شبكة رمزيات . لكننا لا نستطيع الجزم من ان الرموز لا تظل مسيجة باطار محيطي يوميء لجماعتها ، التي خلقتها وابتكرتها، وطوتها ضمن استعمالاتها الحياتية. لان الرمز عبر استمرارية حضوره التاريخي، وتوسع حدود محيطه ، وانتقاله الى فضاء اخر ، ابعد واعمق ، يتحول الى حضور ثقافي وفني مهيمن . يتجاوز حدود جماعته الاولى، التي صاغته وشكلته . وارى من الضرورات الاجتماعية التي دخل اليها المخيال والذاكرة والسرد . ان نتحرك اكثر نحو الامام ونذهب نحو سيرورة جديدة . تسمح بالتشابك بين السرديات والتداخل فيما بينها . وايضاً القبول بمرونة او بقوة لاشتراك رمزيات من التي كانت قبلاً ، او التي وفدت لاحقاً . لان الرمز معروف بخاصيته الفنية ، الطاغية والقوية بالقدرة على التسلل والاندماج مع الاخر . وبهذه السمة يكون قد توصل الى السمة المميزة له والمتمثلة بالمرونة التي يصل اليها في مرحلة الاكتمال ، من اللحظة التي يبدو بها قادراً على الهيمنة والتمركز وتوظيف ما يعنيه .
قال بيير بورديو : الهابيتوس ، يشتغل بوصفه تجسيداً مادياً للذاكرة الجماعية، معيداً في الخلف ما اكتسبه السلف. انه يسمح للمجموعة بــ « الاستمرار في كينونتها «باعتبار انه عميق الاستبطان وانه لا يفترض وعي الافراد ، ليكون ناجحاً، فهو قادر ، في ظل وضعيات جديدة ، على اختراع وسائل جديدة ، يؤدي بها وظائف قديمة . انه يفسر سبب تصرف اعضاء الطبقة الواحدة، غالباً طريقة متشابهة دونما حاجة الى تشاور / دنيس كوش / مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية / ت : د. منير السعيداني المنظمة العربية للترجمة / 2007/ص 143//
تميز هذه الملاحظة المركزية في مفاهيم بيير بورديو حول الملاذ الثقافي ، بقوتها التكوينية لرمزياتها التي تلعب دوراً اجتما ــ ثقافياً وبوصفها ــ ايضا ــ نوعاً تجسيدياً مادياً فيه حضور وقوة للذاكرة الخاصة بالافراد والجماعات . التي تحافظ على توفر لديها من وسائل مادية وثقافية على ملاذها وتعزيزه بما ينتجه الخلف ، ويتلائمان ــ السلف / الخلف ــ معاً . ومثل هذا الاندغام والقبول يفصحان معاً عن استحالة فك الاشتباك بين تاريخين انتج كل منهما تخيلاته وتجلياته الرمزية في الصورة / والسرد / والغناء / والرقص، لان هذه الفنون والثقافة متشابكة معاً ونتعايشة . تمنح رمزياتها قوة تنتج مصدراً مانعاً لتفكيك الجماعة ، لانها ذات وجود ، ظل ويستمر متباهياً بوجوده .
ويفضي بنا رأي بورديو الى ان الفرد / الجماعة، قادر كل منهما على انتاج وسائل مشتركة واعداد خطاب ، قادر على استحضار ما كان قديماً وفاعلاً وتغذيته بما هو جديد . والاكثر تعبيراً عن هذا العوالم الرمزية التي ذكرناها، لكننا لا نستطيع تعميتها ، لانها ليست سهلة الاخضاع ، بما توفر لديها من وجود مادي فعال ، يزود الملاذ بحصانة تعيش تاريخاً ولا تموت . بل تغذي ما سيأتي وستكون الاضافة قوية ، لانها حازت ما يساعدها على ذلك . واعني به الموجود المادي السابق والاخر الذي وجد حضوراً مادياً جاهزاً تداخل معه بيسر وسهولة ، لكنه يبرع بانتاج ملاذ قوي جداً .