الهجر حبل النجاة

رنا سفكوني

الرجل الذي أحبني كان كاتباً، يقوم بفعل الخلق، يبدّد ملله في خلق أماكن مسلّية له قبل القارئ، ثم يعيد صياغة الحياة بمفردات طرية تمارس النضج مع تطور الأحداث.
سألته ذات خلوة:
لماذا لم تكمل روايتك؟
لم يجبني، راح يزرع الغرفة الصغيرة بخطوات تشي بارتباكه من نطق الإجابة، وكأنه يجرب محو السؤال بالخطى.
بصياغة أخرى، لماذا فعلت ما فعلت؟
جلس إلى كرسي وانتصب جذعه كقلم جاف وراح يحدق في وجهي، ثم ضحك، ضحك إلى درجة جعلته يتنازل عن ارتباكه ليستبدله بنبرة ساخرة قائلا:
لأنهن غادرنني؟
من؟
النساء..
وكم عددهن..؟
لا أعلم.. فأنا لم أكمل روايتي بعد، وربما كان هناك احتمال لوجود عدد أكبر منهن.
ولماذا غادرنك..؟
لأنني نسيت.. النسيان صفة الكاتب الذي يجازف بكل معارفه وعلومه ليضعها بين قوسي الثقة.
الثقة..! كيف ذلك؟
كنت أظنني عارفاً بخبايا النساء، صفاتهن، مشاعرهن، ملامحهن في الحزن والفرح والحياد، كنت أقف على أعلى درجة من درجات الحماقة حين أقنعت نفسي بأني قادر على اختزال النساء بمجموعة مفردات .
رحت أكتب عنهن، أرخي لهن السلالم ليصعدن، وأرفع من فوق جبهاتهن خصلات شعر تلاعبت بها رياح فصول الرواية، مددت يدي لأفتح نوافذهن، وأغلق ثقوب الأبواب في وجوه المتلصصين عليهن، أعددت لهن الطعام، وابتعت لهن الملابس، في الفصل الثاني من الرواية اشتريت كلب حراسة لحمايتهن من شرور محتملة، أصلحت كُعب أحذيتهن، ورتَّقت جيوب الفقر في معاطفهن، دخلت إلى المضاجع رحت أرتب فيها الأسرة والوسائد بشكل يليق بنعاس مفاجئ.
كل ما سبق لم يشبع رغبتي التي راحت تتضاعف لإسعاد هذا الكم الهائل من النساء.
كان يتحدّث، قاطعته بابتسامتي التي فضحت سخرية ممزوجة بشفقة على الرجل الذي أحبني مصادفة.
انتبه لما كنت أحاول محوه من وجهي، عاد لارتباكه ثم صمته، وكأني غرزت شوكة في لسانه.
ربما شعر بألم شديد، وربما أصابه خجل الكاتب الذي أخفق.
ثم استدرت أحدق في نافذة لا تطل على مشهد بديع، كنت بابتعادي عنه بضع خطوات أدفعه للاستمرار في حديثه..
نجحت..
تنهّد.. ثم قال:
في الفصل الثالث كنت قد انتهيت من ترتيب الأمكنة والأزمنة، وكنت قد نسجت حكايات مختلفة لكل امرأة، خصصت لبعضهن مواعيد للعمل، وللأخريات مواعيد للذهاب في نزهة أو استجمام بعد حادث أليم. جلبت لهن باقات الورد، وتركت لهن الرسائل على عتبات الأبواب، رفعت صوت الحاكي ورحت أدير العالم بإبرته بحثا عن خبر شيق أو مقطوعة موسيقية تبدّد مللهن.
وقبل أن أنهي فصلي دخلن أول عتبة لليأس، حاولت إخراج بعضهن من ذلك الفخ، غير أنّي فشلت، بحثت في فصولي السابقة عن سبب لما حدث، فلم أجد ما يبدّد حيرتي.
تعاظم اليأس في نفوسهن، فهجرن الأغنيات والنزهات وجهاز الحاكي وتركن الأحذية تغفو تحت الغبار، لم أعد أسمع ضحكاتهن أو زغاريدهن التي كانت لحناً لروايتي، ولم تنفع قراءة الجرائد لهن، أو نشرة الطقس أو نشرة الدواء.
دون انتباه لسبب واضح، رحن يبتعدن عني شيئا فشيئا، إلى أن فتحت إحداهن الصفحة الأولى ثم غادرت روايتي دون وداع أو التفات. بدأ الخوف ينتابني وأنا أرى الأخريات يتبعنها دون أن يكترثن إلى هذا الجرح الذي بدأت تحدثه الوحدة في قلبي قبل أصابعي.
والآن.. هل من رواية تحكى بعد أن غادرت النساء إلى غيابها..! وهل أبدّد المفردات في فصولي القادمة على أمكنة فارغة من ساكناتها..؟
أو ربما أستطيع سؤالكِ.. لماذا فعلتن ذلك..؟
استدرت عن النافذة التي ما زالت لا تطل على مشهد بديع، وحدقت في وجه الرجل الذي كتبني قائلة:
أجزت لنفسك خلق حياة مليئة بالنساء، ثم أغفلت وجود رجل سواك عمدا، فتجاهلت قلوبنا التي راحت تبحث عن الحب في أمكنة افتراضية، وتعمّدت حذف كل احتمال لمصادفة عاطفية. فذبلت قلوبنا، وأغرقتها الوحشة، إلى أن أخذك الشطح اللغوي لتجعلنا وردا بلا أشواك. إلى أن ساقتك الثقة العمياء بمعرفتنا إلى جهلك باللغة. اللغة التي نسيت أيضا أنك حين تكتبها تتحوُّل إلى كائنات تتقن الغياب.