محمد خضير
لكي أصل الى نسختي من السندباد البحري، ونهاية رحلاته المزعومة، لذتُ بعدة أبنية استعمارية، والتقيتُ عدداً من الأشخاص: مدير المصرف التجاري البريطاني إلياس عتيشا، ومدير الكمرك حكيم بلو، وقس الكنيسة الأب بطرس الكرملي، وأخيراً مدير السجن جاسم جرادة.
أتصور الصرّاف الضخم إلياس كلما اخرجتُ الروبية المثقوبة من علبتها المعدنية وتفحصت وجهيها على ضوء المصباح الذي أهدانيه الأب بطرس في ليلة رأس السنة الميلادية ١٩٥٥. كان المصباح أشبه بهلال يرسل ضوءاً فاتراً على صورة القرد البارزة على الوجه الأول من العملة، والرقم الكبير للروبية على الوجه الثاني منها. أما الأبنية ذات الواجهات الخشبية المخرمة والقلاع الركنية، فقد هُدِمت وزال أثرها تماماً. ولم أراهن أعضاء عصبتي السندبادية إلا على شيء واحد: السجان جاسم جرادة، الذي احتجز رجلاً حتى وفاته في العام 1948. زعمتُ لهم أنه مصدر نسختي المحتملة من السندباد البحري.
قرينتي الأولى «الر-وبية» جاءت من مدير الكمرك حكيم، الذي أوصاه الأب بطرس باستخدامي بعد هجرته الى الموصل، وقد احتفظ في سجلاته بأسماء سفن شركة الهند الشرقية، وحمولاتها الواردة والصادرة، وأحوال قباطنتها وأهمهم البرتغالي الأبرص بيتروس. فقد مدّدت الشركة البريطانية خدمة القبطان البرتغالي على سفنها، رغم انتهاء سيطرة عصر الملاحة القديم. ظلّ هذا القبطان يمخر الخليج ذهاباً وإياباً بعد موت بحارته تباعاً بالجذام. لم يتقرب من سفينته أحد، لكن حكيم الكمركي ارتقى السفينة الملعونة، التي رسَت على كتف المحجر الصحي، واستخلص من محتوياتها سجلَّ الرحلات بين جزر البحر الهندي والصين، وصورة محتملة للسندباد. قال لي، أنا الصبي الذي أخدم في دائرته: «لم يُتِمّ السندباد رحلته السابعة كما تزعم الحكايات. مات في إحدى جزر سيلان بمرض غريب مع جواريه وغلمانه الذين عاد بهم للوطن. كتب بيتروس في مذكراته أنه جمع تقاطيع وجه السندباد من بحارة رافقوه وأفادوه بما قد تبدو عليه هيأته قبل المرض. اختار واحداً من بحارته ليصوره، اعتقدَ أنه يشبه السندباد إلى حدّ كبير».
عندما كنت خادماً للقسّ الكرملي، قبل هجرته الى موطن ولادته، قال إنه يحتفظ بنسخة سريانية من رحلات السندباد، ترجمها أحيقار عن إحدى لغات الجزر الهندية. لكنه أعتقد أن أصل الحكاية إغريقي، وقد تكون رحلة أوديسيوس الإغريقي انتقلت الى خيال الهنود أو العرب بعجائبها السحرية على الأرجح. وهذا ما جعل أحيقار السرياني كارهاً لخرافاتها الوثنية. قال القس: «الحق فيما أقوله لك يا بنيّ، إن الرحلات السبع المتداولة اختلاقٌ صرف دأب تاجرٌ عربيّ مفلس قاده دائنوه الى السجن على تأليفها في ليالي وحدته. أما الكتاب الأصلي فقد فُقِد أو حُجِر عليه في خزانة سلطان من المغول بعد سقوط بغداد بيد هولاكو، مع عدد قليل من قصص الأسفار».
لم يذكر مدير الكمرك ما يعضد افتراء القس، لكنه أخبرني أن ثمة نسخاً عديدة من رحلات السندباد، واحدة منها في دائرته. طلبت منه الهبوط الى عنبر الدائرة بزعم تنظيفه، فسلّمني المفتاح وخرج في جولته المعتادة لتفقد السفن الراسية على رصيف شط العرب. كان الوقت صيفاً، وموسم تجارة التمور قد بلغ ذروته، وظننت أنني سأقابل أقنعة جافة من وجوه بحارة الجزُر تقطن في هذه الطبقة العميقة مع قلائدها وأقراطها وأسلحتها، ثم أنني قد أعثر على حكاية السندباد المحجورة في سلّة أو جرّة أو صرّة قماش. تسللت الشمس من نوافذ العنبر العليا فأضاءت المحتويات المحفوظة من أزمنة شتى، لفّات كبيرة من السلاسل والحبال والأشرعة الممزقة لا غير، وبين هذا الركام العتيق التمعت على أرضية العنبر الروبية الفضية التي نقلتُها الى صندوقي من العملات المجيدية والحميدية والقروش والقرانات في سكني الأعلى بدائرة الكمرك. وكنت أحتاج صرّافاً يربط أزمان التعامل بها مع الصكوك التي أفلس السندباد بسببها.
لم أكن أعرف ميولي الحسابية، حتى تخرجت في الفرع التجاري بالمدرسة الثانوية ١٩٥٩، وأصبحت مؤهلاً للتدريب على وظيفة كاتب حسابات بالمصرف البريطاني، المؤسسة الوحيدة المتبقية بعد سقوط عرش فيصل الثاني. انتهزتُ نهاراً مطيراً، انقطعت فيه أقدام عملاء المصرف، ودخلتُ مكتب المدير، المسترخي بجسده المترهل في مقعد عريض. كان المكتب ملاصقاً لبوابة المصرف، فجلس يراقب هطول المطر الغزير من النافذة العالية. أشار إلى كرسي بجانب المكتب، دون أن يدير بصره نحوي. ما أن استقرّ بي المكان الوسيع، حتى مدّ المدير يده وتناول غليوناً وبدأ يحشوه بالتبغ: «لا أطيق الانتظار حتى الشحنة التالية من التبوغ. أدخن هذا النوع الرديء لأن السوق بدأت بالانهيار. هذه حصيلتي من التعامل مع بورصة العشار. كلما تنبأتُ بإفلاس تاجر عزوت الأمر الى التبغ الذي يتنشقه. التبغ والمال صنوان في إقامة هذا المصرف أيضاً. سأقدم استقالتي قريباً. مدة انتهاء تدريبك قد انتهت أيضاً. ألديك شيء تخبرني به؟».
حانت فرصتي لاستعراض خبرتي في خدمة أصحاب المال وبورصة البحر: «يسعدني سيد إلياس أني خدمتك خلال الأشهر الماضية. ألديك وقت للاطلاع على كنزي الصغير؟»
أخرجت الروبية الفضية من جيب داخلي في بنطالي، ووضعتها على المكتب اللامع، ثم نهضت وقربتها منه. ثبّت المصرفيّ نظارته والتقط العملة الصقيلة بأصابع منتفخة. كنت قد فركتها مراراً، فأخذ يفحصها وجهاً بعد وجه، مستغرباً نقش القرد البارز على وجهها الأول.
أعاد الروبية قائلاً: «لماذا تهتم بمثل هذه القطع المزيفة؟»
«مزيفة! ألها علاقة بالتبغ الرديء؟».
ضحك غائصاً في مقعده: «أنت فطن بما يكفي أيها الشاب. روبيتك هذه تجلب النحس. بِعها لي مقابل صكّ يُصرف لك متى تشاء»
«كنت سأبيعها لو وجدتُ مالكها الأول. علمتُ أنها مختلفة عن غيرها من الروبيات. هل تظنها من ممتلكات السندباد؟»
حدجني بنظرة ارتياب سائلاً: «سمعت بعصبة السندباد. هل أنت منهم؟»
«كانت الروبية معلقة بخيط في عنقه. هل لاحظتَ الثقب في طرفها العلوي؟»
«أجل. رأيت واحدة مثلها في رقبة رجل جمعني معه سجنُ البصرة في قضية اختلاس مفتراة. قيل لي إنه أحد أحفاد البحار القديم سندباد. وقد حُكِم في قضية سياسية. كان من عصبتكم»
«حقاً؟ لم أعرف نشاطاً سياسياً للعصبة؟»
«كان حفيد السندباد هذا من الفرقة التي اتهمت بمحاولة اغتيال الوصي على العرش في العام 1941. مات في السجن بعد سبع سنوات من حبسه».
آخر عهدي بسجن البصرة كان في العام ٢٠٠٤، عندما التقيتُ مديره جاسم جرادة، على متن الباخرة «جبل علي» المتوجهة الى دبي، وكانت تذكرتي قد هيأت لي غرفة مشتركة مع تذكرته. كان السجن قد هُدِم وسُوِّي بالأرض على أيدي العُصَب الغاضبة بعد دخول طلائع قوات التحالف الدولي العسكرية الى البصرة. لم تصعب عليّ معرفة اسم شريكي على الباخرة، حيث خضت معه أحاديث شتى مدة الرحلة التي دامت يومين وليلة. ثم حانت الفرصة للتأكد من هوية السجّان الحقيقية، ليلة الافتراق في الميناء الخليجي. كنت عائداً من جولة في الطوار الخارجي للسفينة، حين وجدتُ ملابس الرجل مبعثرة على سريره، وبينها روبية منظومة في سلسلة رفيعة، مقلوبة على صورة القرد البارزة.